أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

أهواكِ

أهواكِ
أهواكِ
توأم روحي جفاءً كفاكِ...
قلبي لن يهوى خلودا سواكِ
لعمرى ما عشق الفؤاد غيركِ....
ولا لحظة العقل نساكِ
أنت التي أحييتيني وبعدها....
لماذا تسقيني السم يداكِ؟
غرستك نبتا نضيرا بقلبي....
وتركتيني نبتا ذابلا برباكِ
لماذا الهجر؟! والعمر ثواني....
نضيعه في الخصام ورجاكِ
ليت الليالي تجمعنا ليتها.....
وتلثمني بشوق حبيبتي شفتاكِ
وأُلصِق دورق المفاتن بصدري....
فيُعتق بين الضلوع معذبا بجفاكِ
د. ابراهيم مصري النهر

بائعو الأوهام

بائعو الأوهام
بينما أتفحص مريض على سرير الكشف، جاءتني مكالمة تليفونية، مددت يدي ولمست شاشة الجوال لأكتم الصوت حتى لا يشوش عليَّ أثناء قياس الضغط.
بعد أن أنهيت الفحص ونزل المريض من على سرير الكشف وجلس على الكرسي المقابل لمكتبي، رن الجوال مرة أخرى، نظرت فإذ به نفس الرقم، استأذنت المريض في الرد على الهاتف، ربما يكون مريضا يستنجد بي.
ضغطت على الدائرة الخضراء لأفتح الخط ووضعت الهاتف على أذني فسمعت صوتا بلهجة ريفية خام لم تعهدها أذني من قبل، تأكل حروفا وتمط أخرى ومحملة بكم هائل من العفوية والسذاجة.
فحوى المكالمة إنه من قرية نائية في مركز إطسا محافظة الفيوم، أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يخرج من كردون قريته يوما ما، ومن كان يقوم بادارة شؤونهم أخوه الأكبر وسافر للعمل بالسعودية، هو من أعطاه رقمي وأخبره أن يتصل بي ويخبرني بهذا السر وسيجد فيَّ الأخ وأكثر.
سألته، وما السر؟
أجاب، وجدت أمس بالصدفة أثناء حفري بالحقل مقبرة آثار.

من هنا اتضح لي اتجاه بوصلة المكالمة، قلت له ممكن تعاود الاتصال بعد ساعة لأني مشغول الآن، كنوع من الخروج التكتيكي من المكالمة.

أغلقت الخط بالضغط بحنق على الدائرة الحمراء، وبوجه ممتعض من هذه المكالمة الحمقى التى لا طائل من ورائها ولا فائدة لها تُذكر، والتفت إلى المريض الذي تناثرت إلى أذنيه بعض الكلمات، وبوجه مبتسم وخفة دم المصري الساخر قال مازحا:(ايه يا دكتور حضرتك بتَّاجر ف الآثار من ورانا) وضحك وضحكت وتعالت الضحكات وبسط كفه فصافحتها بقوة محدثة صوتا مدويا عم المكان.

مرت ساعة وساعتان ولم يتصل وكدت أنسى ما حدث، في طريق العودة رن الهاتف، أخرجته من جيب الجاكت، يا للهول تقريبا إنه نفس الرقم، أخره أربعتان غالبا هو، بل بالتأكيد إنه هو هذا المعتوه.
متردد، أفتح عليه أم لا، سأفتح عليه وأسمع باقي الحكاية، لن أخسر شيئا، فتحت عليه وبعد  السلامات والتحيات أكمل سرد حكايته قائلا: إنه أثناء حفره في الحقل اصطدم معوله بشئ ما وارتد عليه، تتبع هذا الشئ وجده زلعة مليئة بقطع من الذهب وهذا غيض من فيض، فالأمر ليس مقصورا على هذه الزلعة، بل مقبرة مليئة بتماثيل الذهب والبازلت (وإن كانت الزلعة تكفي)، وأخذ يستجديني ويستعطفني بلهجته الريفية أن أساعده ولا أتركه، وكرر هذا الإتصال مرات عديدة حتى أنه بكى في إحداها بكاءً حارًا، وكل ما يصبو إليه أن أُسَوِّقها له ولي النصف.

لا أخفيكم سرا لقد سال لعابي وأخذت أحلم أحلام اليقظة، أحلم بتحقيق الخمسة عين التي قالوا إن الأطباء يحققونها ما دام الطب فشل في تحقيقها، ومع كثرة إلحاحه وتوسُّله قررت السفر بعدما طرحت ظنوني جانبا.
في يوم جمعة وبعد صلاة الفجر اصطحبت أخي وتوكلنا على الله، ألهث خلف سراب ظننته ماءً، في الطريق أنظر من نافذة السيارة على الأفق البعيد ويأخذني الحلم لأحلق في عنان السماء، ألْتَفِت إلى أخي وأقول له ”معقولة“؟
فيرد (ليه لأّه! مش بعيدة على الله!)!
فيبعث فيَّ الأمل مرة أخرى، وكلما أوشكت على الإفاقة من هذا الوهم يعطيني أخي جرعة مخدر أخرى بهذه الجملة.

وصلنا الفيوم وعقارب الساعة تشير إلى العاشرة، والتي بدت لنا كواحة خضراء منخفضة تشرف عليها الهضاب من جميع الجهات.
المكان المتفق أن نتقابل عنده سد اللاهون، أثر فرعوني مهمل، لو حظي بقليل من الإهتمام لأصبح مزارا سياحيا لكثير من السياح.
بمجرد أن وصلنا وجدنا شابا يرتدي تي شيرت أحمر ونظارة شمس سوداء ويركب دراجة نارية، عرفنا بنفسه ثم أردف قائلا: إن ابن عمه طلب منه أن يقابلنا وينقلنا إليه على أننا ضيوفه من البحيرة، ركبنا ثلاثتنا على الدراجة النارية واتجهنا صوب الصحراء، قطعنا شوطا كبيرا ما بين مرتفعات ومنحدرات ومنعطفات في طريق غير مأهولة، ونحن نترنح على ظهر الدراجة يمنة ويسرة، في أخر المطاف وصلنا أمام بيت مهجور يجاوره عدد قليل من البيوت المتناثرة، أظن أنها غير مسكونة وأعدت خصيصا لمثل هذه المقابلات، وما أن توقفنا إلا وخرج رجلان من البيت طول بعرض وأنيقان في المظهر (يعرفان الكفت)، وذلك يتنافى تماما مع الصوت الريفي الذي كنت أسمعه في المكالمة، وبدأ الشك يتسرب إلى النفس، سلَّمنا عليهما ودخلنا البيت وجلست منتظرا أن يستنهضنا أحدهما للصلاة، لكن ذلك لم يحدث فطلبت منهما أن نتوضأ ونذهب إلى الجامع لصلاة الجمعة أخبروني أنه لا يوجد جامع قريب وعليك أن تصلي في البيت، وبالفعل صليت بالبيت، وكان أول القصيدة كفرا كما يقولون.

بعد الصلاة أردت أن أفتح الموضوع لنخرجا بسلام من هذا الفخ، لكنهما رفضا الكلام قبل أن نتناول الفطار ليكون عيشا وملحا، وبالفعل فطرنا واحتسينا الشاي.
ثم قال أحدهم للآخر قم وألقي نظرة حول البيت وأحضر الأمانة، ذهب وبعد قليل جاء يحمل شيكارة على ظهره، يبدو من طريقة حمله لها أنها ثقيلة، قام جليسنا وساعده في وضعها أمامنا وأخذ يُخرِج منها تماثيل بلون الذهب وبأحجام مختلفة، وصندوقا أثريا ممتليء بعملات ذهبية، وبينما نحن مسبهلين من المنظر، قال أحدهم هذا قليل من كثير وهناك أيضا تماثيل من البازلت وجاء بواحد منها.
أراد أخي أن يختبر قطعة البازلت، أظنه قد انبهر وبدأ يتفاعل مع هذا الفلم الهندي، نظرت إليه بطرف عيني فأظنه قد فهم ما أرنو إليه، وكان كل ما يشغلني أن نخرجا من هذا المكان سالمَين.
سألتهما ما المطلوب منا، قالا تدفعا لنا خمسين ألفا وتأخذا آثارا بقيمة مائة ألف أول مرة، وبعد ذلك تأخذا وتبيعا ثم بعد ذلك تسددا وبنصف القيمة وهكذا، فقلت لهما معتبرا أن هذا الإتفاق فرصة ذهبية بالنسبة لنا ومُوبِّخا لهما أنهما لم يخبراني بذلك كنت أحضرت معي مائة ألف وأخذت بمائتي ألف معي هذه المرة فخير البر عاجله وأظهرت تأسفي المزيف على ملامح وجهي، واتفقنا معهما على أننا سنحضر المبلغ ونأتيا غدا أو بعد غد، وانصرفنا وهما على أمل أن نأتياهما ثانية.

استقلينا الدراجة مرة أخرى عائدَين نجرا أذيال الخيبة، عائدَين مع اختلاف المشاعر من الأمل إلى خيبة الأمل، ومن التحليق في سماء الأحلام إلى الهبوط على أرض الواقع، وإن كنا لم نخسرا كثيرا فقد رأينا أماكن أثرية، وتعلمنا دراسا قلما تجده في الكتب.
ويظل الغنى السريع حلم يراود الجميع مما يجعلنا عرضة للنصب والاحتيال من معدومي الضمير وبائعي الوهم.
د. ابراهيم مصري النهر

ڤيروس سي

ڤيروس سي
ڤيروس سي
شاب مجتهد، من أسرة متعلمة وميسورة الحال، والده على درجة وكيل وزارة في وزارة الزراعة، ووالدته مديرة مدرسة اعدادي، انعكس أثر هذه البيئة على أسلوبه ومظهره بدرجة كبيرة.
ذو هيبة ووقار، صوته منخض مع نبرة جادة على خلفية ابتسامة رقيقة، لا يبدأ حديثه إلا بكلمة حضرتك، والنهاية ب أشكرك.
كل أمله أن يكون طبيبا، يخفف من آهات المرضى، وخصوصا الفقراء منهم، الذين يعجزون أحيانا عن دفع قيمة الكشف فضلا عن ثمن وصفة العلاج.

لكن سفينة الثانوية لم تأتي رياحها بما تشتهيه نفسه، بفارق طفيف ساقه التنسيق إلى كلية العلوم، واختار شعبة بيولوجي، وحصل منها على البكالوريوس بتقدير جيد جدا، هذا التفوق أحيا بداخله الرغبة الدفينة، وتحقيق أمله الذي تحطم على صخرة تنسيق الثانوية العامة في الإلتحاق بكلية الطب.

ببكالوريوس العلوم بتقدير جيد جدا التحق بالفرقة الثالثة بكلية الطب، سكن في غرفة بجواري، ودخل يوما غرفته وأوصد بابها ومرت الساعات وجن الليل ولم تُضاء مما أثار قلقي عليه وفضولي لأعرف ماذا حدث له؟!
فربما يكون مريضا، وخصوصا أنها لم تكن عادته، طرقت الباب أكثر من مرة، بعدها سمعت جلبة داخل الحجرة وصوت متهدج ”حاضر“
بعد دقائق فُتح الباب، لأجده يكفكف من دموعه ليخفيها،
سألته ما بك، فأجاب (لا مفيش تعبان شويه) بنبرة حنجرة أنهكها البكاء.
ألححت عليه فانفرط عقد حزنه قائلا: لقد خطبت بنت صديق أبي التي أحببتها من كل قلبي، وأراها هي أيضا تبادلني هذا الحب وأكثر، وصمت مليا،،،،،،،،
ثم أردف قائلا: اليوم..............وانخرط ينهنه وانهمرت دموعه وتفصد جبينه عرقا، ثم أكمل؛ ذهبت إلى حملة التبرع بالدم في الكلية، وعاد ينهنه مرة أخرى ولكن بصوت أعلى ودموع أغزر .......
وقفت بجانبه مكتوف الأيدي عاجزا، لا أملك إلا بعض كلمات المواساة، من قبيل ”اجمد، خليك راجل، استعن بالله .....“

بعد فترة أخذ نحيبه يخبو شيئا فشيئا، ويتمالك نفسه، ويستجمع قواه التي خارت، وبصوت متقطع يقطر حزنا قال: أنا مصاب بالفيروس الكبدي الوبائي سي، ولم يكن هناك علاج له بعد، واستطرد قائلا: لست حزينا من الابتلاء، لكن في حيرة من أمري، أأصارح خطيبتي وربما أفتقدها، أم أُخفي عنها وأكن قد خنتها؟
نصحته بأن يصارحها، وبالفعل صارحها، وآثر أهلها فسخ الخطوبة رغما عن أنفها.
تعافى من صدمته وأكمل دراسته وتخصص في أمراض الكبد والجهاز الهضمي، وعُولِج وشُفِي من مرضه، وأصبح طبيبا مشهورا يُشار إليه بالبنان، وتزوج من غيرها وأنجب البنين والبنات، وماتت هي قبل أن تتزوج بسرطان الدم.
د. ابراهيم مصري النهر

سرنجات الأنسولين

سرنجات الأنسولين
سرنجات الأنسولين
صوت طرقات واهنة، باب الغرفة يفتح بهدوء تام، ظهر من خلفه سواد امرأة، بدت لي في الستينات من عمرها.

أنا قابع في ذات الغرفة خلف مكتبي على كرسي مستدير له أرجل متحركة، وأرتدي معطفي الأبيض المعتاد.

جلسَتْ بصعوبة على الكرسي المقابل لمكتبي بعد أن أسندت يدها إلى حافة المكتب.
-سألتها عن عمرها...
تفاجأت بإجابتها... 
خلعت نظارتي وقمت بفرك عينيَّ جيدا، نظفت عدستيها الزجاجيتين وأعدتها لعلي أتأكد من صحة ما قالت.....
تقول إنها في الأربعينات من عمرها، لم تكن تكذب، لكنه المرض الذي سلب منها شبابها وجمالها.
وكما يقولون عمر المرأة كما يبدو عليها لا كما تقول شهادة ميلادها.
تبادلت معها النكت والضحكات لأخفي عنها آثار صدمتي، حتى لا تشعر أني ظننتها أكبر من ذلك بكثير فأزيدها غما فوق مرضها.
-سألتها إن كانت تُعالج من أمراض مزمنة، أجابت بثغر يخلو من سنَّين أماميين، مبدلةً سينها بثاء "الثكر“.

تشكو من صعوبة في التنفس، ودوخة شديدة، وتنميلا في أطرافها، وتشعر دائما بالجوع والعطش، وتتبول كثيرا.

قست لها السكر العشوائي فوجدته عاليا جدا، لففت من خلف مكتبي مسرعا، لا غرو فناقوس الخطر يدق منذرا بقرب حدوث كارثة، ركبت كانيولا في أوردة ساعدها وحقنت بها قربة محلول ملح، وطلبت من مساعدتي في العيادة ”التومرجية“ أن تعطيها أربعين وحدة من أنسولين ميكستارد مائة، وبعد أن انتهى التقطير الوريدي الذي استغرق قرابة الساعة، وبدأت انفراجة تحسن في أعراض المريضة، عادت إلى بيتها برفقة ابنها الذي قد تعرَّفت عليه يومها وتبادلنا رقمي جواَّلينا.

وفي أخر اليوم وأثناء مراجعة الحالات مع التومرجية كعادتي كل يوم، أسترجع شريط الحالات بمواقفها سواء الخطيرة منها أو المضحكة، وكان من أخطر حالات ذاك اليوم هذه المريضة.  

عندما سألتها عنها،أخبرتني أنها أول مرة تحقن الأنسولين لمريض....
لم تكن ممرضة ولم تدرس علم التمريض، كانت كعامة الناس لا تعرف الفرق بين المعقم والنظيف، لا تعرف أن المناديل الورقية نظيفة وليست معقمة، وأن الماء الذي نحل به بدرة المضاد الحيوي نظيف وليس معقم.

-سألتها بما إنك أول مرة تتعاملين مع الأنسولين، اشرحي لي ماذا فعلتي؟
-قالت: سحبت سرنجة أنسولين كاملة ووخزتها تحت الجلد. 
الْتَفَتُ إليها مفزوعا وكأني مضروب بسوط، من هول ما سمعت.
قائلا بصوت أجش ومن قال لكِ سرنجة كاملة؟!
قالت: حضرتك قلت أربعين وحدة، والأربعون وحدة كانوا سرنجة كاملة.
نهضت مسرعا وأنا أصرخ؛ لا وقت الآن لأشرح لكِ الخطأ الجثيم الذي وقعتِ فيه، وجل همي وشغلي الشاغل هو التواصل مع ابن المريضة أو الوصول إلى بيتهم  في أسرع وقت ممكن.
أخذت أدق على جوال ابنها ولحظي العاثر كان غير متاح في كل مرة، مما زادني قلقا وتوترا وجعلني أظن أن الحالة أُصيبت بغيبوبة هبوط السكر.
وأنا في هذا البحر من الحيرة والاضطراب، أخبرتني التومرجية والتي كانت ترتعد خوفا واضطرابا بالعدوى مني إنها تعرف بيت المريضة، فرافقتني وخرجنا بسرعة للذهاب إليها، جلست على مقود السيارة وانطلقت أسابق الريح ولا أعبأ بمطبات الطريق الترابي الذي لم تألفه إطارات السيارات، وبعد أن قطعنا مسافة ما بين المنعطفات والمطبات وصلنا لبيت الحالة، الذين أصابهم شئ من القلق والذعر عند رؤيتي، لكني هدأت من روعهم وأبلغتهم أن هناك خطأ ما قد حدث، لقد أعطينا للمريضة جرعة أنسولين أكثر من اللازم، فوجب علينا أن نأتي ونطمئن عليها ونصلح الخطأ، بأن تشرب المريضة كوبا من الماء المحلى بالسكر حتى لا تدخل في غيبوبة هبوط.

وبالفعل عندما قست السكر وجدته قد انخفض بشكل ملحوظ وأوشكت الحالة على الدخول في غيبوبة هبوط سكر.
فحمدت الله واعتذرت للأهل على هذا الخطأ غير المقصود، وتقبل الأهل عذري وشكروني على الأهتمام.

وفي طريق العودة شرحت للتومرجية الخطأ الذي وقعت فيه، وأنها أعطت مائة وحدة من الأنسولين وليس أربعون كما أبلغتها، وهذا الخطأ قد شارك فيه الصيدلي بصرفه أنسولين مائة وسرنجات أربعين.
فالأنسولين المائة يصرف معه سرنجات مائة، والأنسولين الأربعون يصرف معه سرنجات أربعين.
د. ابراهيم مصري النهر

واحد أبريل

واحد أبريل
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، ما قرأت إعلان عن مسابقة عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، أدفع به ما ينتابني من خجل  كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر يوما ما، في الحقيقة الذي يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.

مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف، بدأ اليأس من الحصول على وظيفة يتسرب إلى خلجات النفس، وبدأت أفيق من خمرة أحلام الشباب الوردية بعد اصطدام شديد بصخرة الواقع.

بدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليالي في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد اشتريتها بالشئ الفلاني، كنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، استوقفني وسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، أجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي وحماس الشباب الذي يغلي في دمي ظننتها تثبيطا وتيئيسا، كنت غِرا لا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، قال وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم  أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.

بدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم مشمس استيقظت مبكرا وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت إلى أن جاء المساء، شربت أربعة كئوس شاي وحجرين معسل.

في طريق عودتي إلى البيت مرهقا ومحبطا، اصطدمت بعبد الفتاح صديقي القديم على ناصية الشارع، عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
لم يمهلني وقبل أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
قال: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك التي أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
قلت: بجد..!! لا لا..!! أنت تمزح.......!!
قال: بجد وها هي الجريدة.
قلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد فقدت الأمل في الوظيفة الحكومية، واحتضنته وقبَّلته.

كانت بداخلي رغبة خفية وجارفة أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، لكني كنت ما زلت في الشارع.
عدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراني أنا عاوز أخدكوا في أحضاني.......»
فتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، سأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، بدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، الغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.

وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كما أفعل كل ليلة، كانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم مصري النهر

الشرود



الشرود
الشرود
.
.
هادئ الطبع، قليل الكلام، محب للعزلة، وإن كنت لا أغيب عن المناسبات الاجتماعية، شارد الذهن، شرودا لم أختره ولا جُبرت عليه، شرودا بالسليقة، فمنذ نعومة أظافري لاحظ والداي هذا، تقول أمي عني كنت في طفولتي كثير التأمل، كثير السؤال والاستفسار عما أرى، وأجهدها بكثرة أسئلتي ولا أتركها حتي تعجز عن الإجابة.
نَمَتْ هذه الصفة معي واستفحلت وصارت مُركَّبة ومعقدة، شرود بصري فيما يدور حولي، يخفي في باطنه شرودا آخر أشد عمقا وأقوى أثرا، شرودا في دروب المستقبل مطموسة المعالم، في هموم الحاضر وجراح الماضي.

الطيبون من الأهل والأقارب والجيران يرجعون ذلك إلى كثرة المذاكرة والعلم، وبيني وبين نفسي أسخر منهم وأُومئ برأسي وأنا أتمتم دعهم مخدوعين.
كلَّفني هذا الشرود الكثير، ففي سنة الإمتياز في مستشفيات جامعة الإسكندرية، استقليت من بلدتي قبل غروب الشمس الحافلة المتجهة إلى تلك المدينة القابعة على شاطئ المتوسط وينادونها بعروسه، كنت نوباتجيا في هذه الليلة، ركبت في مكاني المفضل بجوار النافذة، حيث التربة الخصبة للخلوة الذهنية والشرود مع أعمدة التليفون وأسلاكها، ومشهد الشفق واحتضار الشمس وسط بركة من الدماء، وأسراب الطيور المُعزِّية على خلفية من السحب السوداء المتناثرة في أرجاء السماء، في مشهد تراجيدي مهيب، إنه الغروب الآتي لا محالة.
وفي خضم هذا الزخم من توارد الخيال واكتظاظ الذهن به والضياع في أزقة الشرود المتشابكة والمتشابهة، تفاجأت بوخزة في جنبي بكوع من بجواري قطعت حبل شرودي مصحوبة ب ”الأجرة يا أستاذ“.
لا أراه لجأ إلى استخدام كوعه إلا بعدما فشل في تنبيهي بصوته، شرود واندماج وصل إلى حد الغياب التام عن العالم المحيط.
أخرجت حافظتي العامرة بالنقود وبها بطاقتي الشخصية، دفعت إليه الأجرة وتركتهم يتجادلون كالعادة حول الفكة والباقي، ورجعت مسرعا لأستكمل شرودي.
نبهني إلى مكان نزولي صوت السائق ”أول الكبري اللي نازل“، لملمت على عجل شرودي واستعددت للنزول.
عند أول كوبري محرم بيه توقف السائق وهو يستعجلنا بقوله ”بسرعة يا جماعة اللي نازل“ فأبواق السيارات التي خلفه تحثه على المسير.
وما أن قفزت خارج الميكروباص حتى جر أحد الركاب الباب مُوصِدا إياه، وانطلقوا....
أفاقني هواء البحر الخريفي البارد من شرودي وعاد بي إلى أرض الواقع، بدأت أبحث عن الحافظة، في جيوب البنطلون تارة وجيب القميص تارة أخرى، أخرجت الجيوب إلى الخارج وكأني أبحث عن إبرة قد اندست في التعاريج، التفت حولي، أنظر خلفي، أبصر تحت قدميَّ بعد أن أرفعها في حركات بهلوانية سريعة، أخيرا تذكرت أنها كانت في يدي، فتحتها ونظرت فيها فلم أجد شيئا، أيقنت وقتها أنها فُقِدت.
خيم الهم والحزن على قلبي وأخذا ينخرانِه بسوسهما الشرس،  وانهلت على النفس جلدا، ألومها وأعنفها، كثيرا ما نصحتها بالتركيز فلم تكترث، كنت أبتغي شراء سويتر بهذا المبلغ الذي جمعته بعد عناء. 
ترجلت من كوبري محرم بيه إلى مستشفى الميري أترنح ألما وحزنا، لا أدري ماذا أفعل، كيف سأقضي ليلتي ضامر البطن، كيف سأعود في الغد وليس معي أجرة الطريق، ممن أستلف بعض المال وليس معي زميل مقرب أو على الأقل أعرفه.
أفقت من شرود إلى شرود أشد وأخطر، شرود كاد أن يكلفني حياتي، فبينما أنا كذلك سمعت صوتا مدويا لاحتكاك إطارات سيارة بالرصيف على إثر ضعط سائقها على كابح السرعة وهو يصرخ بأعلى صوته "صحصح يا أستاذ، بطلوا الهباب اللي بتبلبعوه ده“
أثناء النوباتجية لاحظت زميلة فاضلة مسحة حزن اعترت وجهي، ودموع وهموم متجمعة خلف الجفون، مسحة ودموع وهموم لا يراها إلا إنسان وهبه الله عيونا بعدسات خاصة، عيونا تبصر المشاعر والأحاسيس وخدوش وكدمات النفس.

من ملامحي الحزينة وبحسها المرهف وبصيرة قلبها الثاقبة تأكَّدت أني تعرضت لحادث ما، وأصرت أن تعرف، حاولت أتهرب منها، لكن أمام إلحاحها انهرت وحكيت لها ما حدث.

أخذت تضحك وتضحك وتضحك.....
ثم قالت هون على نفسك، واصطحبتني إلى الكافيتريا، ابتعنا مولتو وبسكويتا واحتسينا شايا، كل ذلك كان بشرط أن يكون كل ما نشتري على حسابي مما أقرضتني من نقود.

وبدأشرود من نوع جديد.......
د. إبراهيم مصري النهر

حال الحبِّيبه زمان

حال الحبِّيبه زمان
 حال الحبِّيبه زمان 
 بمجردغروب الشمس يغسل شعره تحت الطرومبة بالصابونة الغسيل، التي تزيده خشونة وتجعله أكثر تليفا، بعد أن يترجَّى أخيه الأصغر ويَعِدَهُ بأن يعطيه شلنًا ليطمبر عليه، وبسرعة يمشطه مبللا ليثبت، لم يكن يعرف الجل أو الكريم، ثم يرتدي الثوب الذي على الحبل ويضع من قارورة برڤان برائحة الفزلين، ويتعجل أخته لتضع مائدة العشاء، تنظر إليه نظرة ماكرة بعين ونصف، وتقول له (أنا عرفاك متظبرق ومستعجل ليه)، يخطو نحوها وهو يزمجر بعبارات الغضب، تهدده بأبيه فيهدأ ويرجع يستعطفها ويسترضيها.

بعد العشاء يتسحب وبدون أن يشعر به أحد يحمل التسجيل وشرائط الكاسيت وقلبه يسبقه وقدماه تطوي الأرض طيَّا إلى بيت ليلى، لا ينسى أن يمر في طريقه على الدكان ليتحمل باللب وأقراص الحلوى الحمصية والسمسمية التى كانت تحبها ليلاه.

هناك يطرق الباب وقلبه يشرئب من عينيه ليرى ليلى عندما تفتح الباب، يتخيلها وهي تدندن بأغنية فايزة أحمد (ياما الأمر ع الباب)، فإذ بأم ليلى هي التي تفتح الباب وتخبره بأن أبا ليلى يُفرِّد شتلة الأرز وفي انتظارك هناك وستأتيكم ليلى بالشاي،  وتأخذ منه اللب والحلوى.
وينصرف محبطا يجر أذيال الخيبة والحسرة، عند الغيط يخلع ثيابه ويغوص في الطين ويبدأ في صفع أصداغه وقفاه ليقتل الناموس، أو ربما يكون تأديبا لنفسه ومتخذا الناموس ذريعة..... !
بعد أن يغدو أشعث أغبر تأتي ليلى بالشاي وهي تأكل أقراص الحلوى، وتتسلى باللب وتصب الشاي، وجبين قيس يتصبب عرقا وملابسه تتصبب وحلا.
يجري لتشغيل الكاسيت ليُسْمِعَها أخر ما غنّى عوض المالكي في الحب (خيشه ولندا عفاره وليلى وأشحت بشكاره)، لكن نقيق الضفادع يحول دون ذلك.
هكذا كان حال المحب زمان، وعلى قدر حبه تكون تضحيته، وتحمله للدغ الناموس وعصا أبيه المتربص له عند عودته فجرا خلف باب الدار.
د. ابراهيم مصري النهر