أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

البشائر.... تحكي عن حياة الريف زمان والألفة والمحبة والتعاون في أعمال الحقل

البشائر... تحكي عن حياة الريف زمان والألفة والمحبة والتعاون في أعمال الحقل، تقرأ وكأنك ترى ذكريات الطفولة للدكتور ابراهيم النهر
البشائر
في أوائل يونيه وبعد آذان العصر وفي ظل شجرة على رأس الغيط، جلس الفلاحون بعد أن نادى بعضهم على بعض، لا أدري ليلتقطوا أنفاسهم أم ليلتقطوا أنفاسا من لفافات التبغ، وكان أحدهم بعيدا أو مندمجا في عمله فلم يسمع النداء، فوضع أحد الجالسين اصباعيه في فيه وأطلق صافرة قطعت عليه حبل اندماجه، فالتفت إليهم فأشاروا إليه بكوب الشاي الذي يحتسونه وهم يتجاذبون أطراف الحديث، فأتى إليهم مسرعا يتمتم.
كان الحديث عن البشائر، وهي كلمة تحمل كم هائل من الطمأنينة والتفاؤل وقرب حلول الخير، فكانوا يطلقون على أوائل ثمر الشمام (الأناناس) الناضجة البشائر ويتهادون بها.

وكانت ثمار الشمام الناضجة لا تحتاج إلى خبرة لمعرفتها حيث إنها تتغير تدريجيا من اللون الأخضر إلى اللون الأصفر ويبدأ عنقها في الإنفصال عنها، لتبدأ الأم في انضاج ثمرة أخرى وهكذا، في صورة مشابهة تماما للحبل السري للجنين، والذي ما أن يأتي طلق الولادة إلا وتبدأ المشيمة في الإنفصال عن الرحم، وما العجب في هذا التشابه إذا كان الخالق واحد سبحانه.
وكان عندما ينتصف يونيه وترتفع درجة حرارة الجو أكثر، يزداد عدد الثمار الناضجة فيحمل الفلاح مقطفا ليضع فيه الثمار الناضجة، وعندما يمتلئ يفرِّغه على الممرات المتروكة لذلك، فكانت تبدو الممرات وقد تشوَّنت عليها الثمار بلونها الأصفر وكأنها خطوط من الذهب تزين قطعة قماش خضراء،،،، 
ودور الصغار كان حمل الثمار من الممرات إلى الشادر بالحمار بعد وضع الجِّنَب عليه (قفتان مثبتتان في خشبة) وأصغرهم كان يركب الحمار ليصنع التوازن بين الجنبتين، وأحيانا كان الحمار ينفر في وجه أحد الأطفال فكان الأب يقول له أتفل في وجهه لكي لا تصاب بالسنط (warts) ولا أعلم مدى صحة هذه المعلومة طبيا، ولكنه كان يحدث.

وطبعا أنا لا أقصد تفل الطفل في وجه الحمار يمنع السنط، ولكني أقصد هل نفر الحمار والرزاز الذي يخرج من منخاره يصيب بالسنط؟! 

ثم تأتي السيارة النصف نقل لتحمل الثمار من الشادر إلى مثواها الأخير حيث سوق الخضار وبطون المستهلكين.

ويقبض الفلاح الفاتورة كثمرة كفاح وشهادة نجاح، وفي طريق عودته يحمل اللحم والحلوى والحمص للأهل والجيران كعادة سنوية وخصوصا في أول نقلة، نقلة البشائر.

فكان الأهل والجيران يفرحون ويتمنون الخير بعضهم لبعض، وينتظرون عودة من سافر بالبشائر محملا بالعادة، ويدعون له بالبركة وزيادة الرزق وألا يقطع الله له عادة.
للأسف غابت كلمة البشائر وغابت معها العادة، وما سمعتها ثانية إلا في بلاد الحرمين في صيغة أبشر ولكنها كانت سادة بدون عادة.

د. ابراهيم النهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق