القطار
القطار
كنت أول مرة أركب القطار بعد إلتحاقي بالجامعة وكنت جديد عهد بهذه الوسيلة وما بها من زحام وتكدس على الأبواب وبالداخل أقفاص الطيور وصينيات الجبن وكروانات الزبد التي تمتلئ بها الأرفف، وبالقرب من رأسك أحذية الأرجل المدلاة لساكني أرفف الأمتعة.
ومما هوَّن عليّ هذا الزحام برودة الجو فقد كنا في شهر طوبة، وكان هذا الجو وما به من عتمة دخان السجائر وزفير غير المدخنين يشعرك بالدفء ويغنيك عن فرك اليدين ببعضهما والنفخ فيهما.
وما كان يؤذيني ليس كل هذه الملوثات سواء من دخان السجائر أو رائحة الجبن والزبد أو رائحة السمك حيث قفف الصيادين فقد كنت محتملا لكل ذلك، ولكن الذي كان يؤذيني هو التلوث السمعي حيث الألفاظ النابية والخناقات التي لا تنتهي، وتوسلات المتسولين، وإلحاح بائعي القطارت الجائلين، وما يدهشك أن تجد في هذا الجو الملبد بالضوضاء من يغط في نوم عميق.
وبعد كل محطة تفاجأ بموجة بشرية وما يصحبها من توابع كضرب في الظهر بالأكواع ودوس على الأقدام، والغريب إنني لاحظت أنها نفس الأوجه ومما لاحظت أيضا أن هذه الموجة يتبعها وفي كل مرة الكمسري (موجة كمسرية)، وبما إنني كنت غِرا في ركوب القطارات فلم أكن أعرف أن هذه لغة متعارف عليها بين محترفي ركوب القطارات للتزويغ من قطع التذاكر، حيث أنهم يمشون أمام الكمسري وعند أول محطة ينزلون ويركبون من الباب الذي قد تجاوزه الكمسري، وهكذا دواليك حتى يصلون إلى محطة نزولهم الأخيرة، حيث أنهم قد نزلوا قرابة العشر مرات قبل هذا النزول وكل ذلك ليهربوا من دفع تذكرة قيمتها كانت لا تتجاوز الجنيهين، وهذا فصيل من راكبي القطار وهناك فصيل آخر لا يهربون من الكمسري فقط بل يهربون من خنقة القطار أيضا، فهؤلاء الذين يسطحون على القطار ويعرضون أنفسهم لخطر الموت من أجل أن يوفروا جنيها أو جنيهين، وهؤلاء يشبهون إلى حد كبير أولئك الذين يموتون في المراكب عبر البحار في رحلاتهم غير المشروعة.
وفي الصورة تجد أيضا فتاة تتعرض لتحرش لفظي وفي ظل سكوت المجاورين لها يزداد التحرش انحطاطا ليصل ذروته في صورة تحرش جسدي في تعدٍ سافر على العرف والدين، وعلى مرئ ومسمع أناس جبناء لا يستطيعون أن يحركوا ساكنا ولسان حالهم يقول (وأنا مالي مادام بعيدا عني خلاص) وهذا يذكرني بحكاية عن جحا أظن أنكم جميعا تعرفونها ولا داعي لذكرها لما فيها من تجاوز لخطوط وإطار الكتابة المسموح بها.
ألا يعلم هؤلاء الجبناء أن الساكت على الرذيلة مشارك فيها، وأن الله سبحانه وتعالى قد ذم بني إسرائيل وعذبهم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.
وفي مرة أخرى عُزِمت للركوب في الدرجة الأولى، فصُعِقت من شدة التباين فلا يوجد وجه للمقارنة أصلا مع أنه نفس القطار مع اختلاف العربة فقط، وجدت مقاعد تتحرك أجزاؤها حسب الوضع المريح لك، وحامل أمامك لوضع المشاريب (الساخنة والمثلجة) والسندوتشات، وتكييف الهواء، ومعطر الجو، وشاشة عرض، والجرائد اليومية، وأغلب هذه المقاعد خالية، وعلى بعد خطوات للخلف ترى أناسا، منهم من يسقط ضحايا الزحام على الأبواب أو التسطيح على القطار!!!
تماما كقطار المجتمع والمكون من عربتين، عربة العوام حيث الزحام والضرب والتحرش والتزويغ والتلوث بأنواعه والخنوع، وعربة البهوات والباشاوات حيث الرفاهية والسعادة والحياة الآدمية بما سرقوه من مال العوام، ومن المضحكات المبكيات أن العوام يظنون أن كله قطار ولا فرق بين عرباته، ومنهم من يقول كل منا سيصل لوجهته ولا فرق بين الدرجات، وأنا أقول لهم هناك فرق، وفرق شاسع بين الحالتين وقت الوصول، فمن يصل مفرهدا وملوثا سمعيا وبصريا وصحيا ليس كمن يصل بكامل حيويته وهندامه وأناقته...... وبصوت فؤاد المهندس (مش كدا وللا أيه)
د. ابراهيم مصري النهر
القطار
كنت أول مرة أركب القطار بعد إلتحاقي بالجامعة وكنت جديد عهد بهذه الوسيلة وما بها من زحام وتكدس على الأبواب وبالداخل أقفاص الطيور وصينيات الجبن وكروانات الزبد التي تمتلئ بها الأرفف، وبالقرب من رأسك أحذية الأرجل المدلاة لساكني أرفف الأمتعة.
ومما هوَّن عليّ هذا الزحام برودة الجو فقد كنا في شهر طوبة، وكان هذا الجو وما به من عتمة دخان السجائر وزفير غير المدخنين يشعرك بالدفء ويغنيك عن فرك اليدين ببعضهما والنفخ فيهما.
وما كان يؤذيني ليس كل هذه الملوثات سواء من دخان السجائر أو رائحة الجبن والزبد أو رائحة السمك حيث قفف الصيادين فقد كنت محتملا لكل ذلك، ولكن الذي كان يؤذيني هو التلوث السمعي حيث الألفاظ النابية والخناقات التي لا تنتهي، وتوسلات المتسولين، وإلحاح بائعي القطارت الجائلين، وما يدهشك أن تجد في هذا الجو الملبد بالضوضاء من يغط في نوم عميق.
وبعد كل محطة تفاجأ بموجة بشرية وما يصحبها من توابع كضرب في الظهر بالأكواع ودوس على الأقدام، والغريب إنني لاحظت أنها نفس الأوجه ومما لاحظت أيضا أن هذه الموجة يتبعها وفي كل مرة الكمسري (موجة كمسرية)، وبما إنني كنت غِرا في ركوب القطارات فلم أكن أعرف أن هذه لغة متعارف عليها بين محترفي ركوب القطارات للتزويغ من قطع التذاكر، حيث أنهم يمشون أمام الكمسري وعند أول محطة ينزلون ويركبون من الباب الذي قد تجاوزه الكمسري، وهكذا دواليك حتى يصلون إلى محطة نزولهم الأخيرة، حيث أنهم قد نزلوا قرابة العشر مرات قبل هذا النزول وكل ذلك ليهربوا من دفع تذكرة قيمتها كانت لا تتجاوز الجنيهين، وهذا فصيل من راكبي القطار وهناك فصيل آخر لا يهربون من الكمسري فقط بل يهربون من خنقة القطار أيضا، فهؤلاء الذين يسطحون على القطار ويعرضون أنفسهم لخطر الموت من أجل أن يوفروا جنيها أو جنيهين، وهؤلاء يشبهون إلى حد كبير أولئك الذين يموتون في المراكب عبر البحار في رحلاتهم غير المشروعة.
وفي الصورة تجد أيضا فتاة تتعرض لتحرش لفظي وفي ظل سكوت المجاورين لها يزداد التحرش انحطاطا ليصل ذروته في صورة تحرش جسدي في تعدٍ سافر على العرف والدين، وعلى مرئ ومسمع أناس جبناء لا يستطيعون أن يحركوا ساكنا ولسان حالهم يقول (وأنا مالي مادام بعيدا عني خلاص) وهذا يذكرني بحكاية عن جحا أظن أنكم جميعا تعرفونها ولا داعي لذكرها لما فيها من تجاوز لخطوط وإطار الكتابة المسموح بها.
ألا يعلم هؤلاء الجبناء أن الساكت على الرذيلة مشارك فيها، وأن الله سبحانه وتعالى قد ذم بني إسرائيل وعذبهم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.
وفي مرة أخرى عُزِمت للركوب في الدرجة الأولى، فصُعِقت من شدة التباين فلا يوجد وجه للمقارنة أصلا مع أنه نفس القطار مع اختلاف العربة فقط، وجدت مقاعد تتحرك أجزاؤها حسب الوضع المريح لك، وحامل أمامك لوضع المشاريب (الساخنة والمثلجة) والسندوتشات، وتكييف الهواء، ومعطر الجو، وشاشة عرض، والجرائد اليومية، وأغلب هذه المقاعد خالية، وعلى بعد خطوات للخلف ترى أناسا، منهم من يسقط ضحايا الزحام على الأبواب أو التسطيح على القطار!!!
تماما كقطار المجتمع والمكون من عربتين، عربة العوام حيث الزحام والضرب والتحرش والتزويغ والتلوث بأنواعه والخنوع، وعربة البهوات والباشاوات حيث الرفاهية والسعادة والحياة الآدمية بما سرقوه من مال العوام، ومن المضحكات المبكيات أن العوام يظنون أن كله قطار ولا فرق بين عرباته، ومنهم من يقول كل منا سيصل لوجهته ولا فرق بين الدرجات، وأنا أقول لهم هناك فرق، وفرق شاسع بين الحالتين وقت الوصول، فمن يصل مفرهدا وملوثا سمعيا وبصريا وصحيا ليس كمن يصل بكامل حيويته وهندامه وأناقته...... وبصوت فؤاد المهندس (مش كدا وللا أيه)
د. ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق