أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

التعود .... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر ماذا حدث له عند إلتحاقه بكلية الطب ورؤيته لجثث الموتى في المشرحة لأول مرة في حياته وكيف تعود على هذا المشهد بعد ذلك؟

التعود ... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر ماذا حدث له عند إلتحاقه بكلية الطب ورؤيته لجثث الموتى في المشرحة لأول مرة في حياته وكيف تعود على هذا المشهد بعد ذلك؟
التعود
كنت أخاف من لون الدم لدرجة إنني لو رأيت طائرا مذبوحا
لا آكل من لحمه، ولو رأيت جرحا ينزف أشعر بدوران وخفقان في ضربات قلبي، وكنت أتعجب ممن يرى الميت، وكان من عادات الريف إعداد موائد للغداء والعشاء والذهاب بها إلى بيت الميت لمدة ثلاثة أيام متتالية، وكنت لا آكل من لحوم هذه الموائد، فقد كان يخيل إليّ أن لها علاقة بلحم الميت.

إلى أن إلتحقت بكلية الطب ولم يخطر ببالي لحظة أن كل تعاملاتي ستكون مع المرضى والجرحى والموتى.
وفي أول يوم في الكلية بل قل أول ساعة كانت مجموعتي عندها سيكشن تشريح وذهبنا إلى المشرحة وكانت المفاجأة ملايات بيضاء تغطي شيئا ما تحتها، ولم أتوقع أبدا أنها جثث موتى فعندما أخبرني أحد الزملاء أنها جثة أصابني الفزع وهرولت بعيدا فوجدت جثة أخرى أمامي فارتبكت وشعرت بدوران وفقدت الوعي وعندما أفقت وجدتني موصولا بجهاز يصدر أصواتا وزملائي من حولي يقولون الحمد لله فاق، وبعدها قررت أن أحول من كلية الطب إلى الصيدلة.

ولكن بفضل نصائح طلبة سادسة طب والذين أقنعوني بأن أستمر في الطب حيث الرسالة السامية وستتعود مع الوقت على هذه المناظر، وبالفعل استمريت وتعودت بل وتعاملت مع الجثث، وكان ذلك في أول إمتحان تشريح ولكني بعد أن انتهيت من الإمتحان وتذكرت ما فعلت، غسلت يدي عشر مرات بالماء والصابون، وليس لي رغبة في الطعام والشراب وكلما قربت يدي من أنفي أشم رائحة الفورمالين، وظل هذا الإحساس لعدة أسابيع.
وفي يوم مسك زميل لسان الجثة وقال ”باين عليه كان لسانه طويل“ ولسوء حظه بل أراه لحسن حظه سمعه الأستاذ ووبخه وأعطاه درسا في الدين والأخلاق.

ولكني أتسأل لماذا لا يكون هناك هياكل للشرح عليها حفاظا على حرمة الميت؟ هل لضيق ذات اليد وإننا بلد فقير؟! أم لأن الإنسان عندنا رخيص ولا قيمة له؟

وفي سنة رابعة وفي راوند الباطنة وكانت حالة الدرس تليف كبدي وتضخم بالطحال بسبب البلهارسيا مما أدي إلى إرتفاع في ضغط الوريد البابي (الطحال المصري وكابوت ميدوسا)    Bilharzial hepatosplenomegaly, portal hypertension and capute medusa
وكأنك تري بطنا منفوخة جدا وبها تعرجات زرقاء حول السرة وتخرج منها رأسا صغيرة وذراعين ورجلين رفيعتين جدا، فالحمد لله على نعمة الصحة حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وعافانا الله وإياكم، فلم أتحمل بشاعة المنظر وأغمى عليّ للمرة الثانية ووقعت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية (vasovagal attack) وتم نقلى إلى المستشفى وقاموا بتركيب محاليل.
ومع كثرة تكرار مثل هذه الحالات تعودت على رؤيتها ولكن ظل تأثري بها وتألمي وحزني عليها ثابتا لم يتغير إن لم يكن قد زاد.

د. إبراهيم النهر

رحلة الحج بمشاعر جياشة وأحاسيس فياضة بكاميرا الكلمات التي تنبض بالحب

رحلة الحج بمشاعر جياشة وأحاسيس فياضة، يصور دكتور ابراهيم بكلمات تنبض بالحب ويصف تجربته الشخصية، تقرأ وكأنك ترى.

رحلة الحج
كان لديَّ منذ الصغر رغبة عارمة وحب وشغف جارف لزيارة أرض المعجزات، ومهبط الوحي، ومراقد الأحبة محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه -رضي الله عنهم أجمعين.
وكانت هذه الرغبة معجونة بصدق النوايا ومطعمة باليقين، اليقين الذي لم أكن أعلم علاما يستند، فلم أكن مستطيعا ماديا، ولم أكن قد تزوجت بعد.
وذات صباح وفي مكتبي بالوحدة الصحية التي كنت مديرا لها، دخل عليَّ فني المعمل وبعد أن ألقى تحية الصباح أردف قائلا: هناك فرصة للسفر جميلة، ألديك نية؟
فقلت له: الحقيقة ليس لديَّ نية للسفر، ولكن دعني أفكر.
وكنت قد خطبت في هذا الوقت، فاستشرت واستخرت، وبعد يومين تقابلنا فقلت له لا بأس لو فرصة مناسبة أسافر، فأعطاني عنوان المكتب، وبالفعل تم التعاقد وسافرت إلى المملكة العربية السعودية.
وهناك وأول ما لامست قدميَّ ترابها كان جل تفكيري وشغلي الشاغل هو زيارة بيت الله الحرام، وما أن استخرجت الإقامة إلا واستأذنت صاحب العمل لعمل عمرة، وللصدف الغريبة أن يوافق اليوم الذي أرى فيه الكعبة المشرفة لأول مرة تاريخ ميلادي.
وما أن وصلنا إلى الميقات، واغتسلت ولبست ملابس الإحرام إلا وغمرتني فرحة وحلاوة ما زال بعض طعمها في قلبي أتذوقه على فترات، وانطلق لساني بالحمد المتواصل أن أنعم عليَّ بهذه النعمة التي كنت أراها برغم اليقين الذي يملأ قلبي دربا من دروب المستحيل.
وعند معاينة الكعبة المشرفة بأستارها السوداء، وأضوائها البيضاء، أجهشت بالبكاء، وانسكبت العبرات، وانهارت قوايَّ، وجثوت على ركبتيَّ، ولهثت بالتضرع والدعاء (اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا، اللهم أنت السلام ومنك السلام... فاحينا ربنا بالسلام).

وعندما ذهبنا إلى المدينة المنورة، واستقبلنا أنوار النبوة التي استضاء بها الوجود، ووقفت أمام الروضة الشريفة، التي تضم جثمان النبي الطاهر، وشعرت بقشعريرة تسري في جلدي وأوقفت شعر رأسي، وانهمرت من عينيَّ الدموع، مشاعر متداخلة تجمع ما بين الخوف والرهبة والإجلال والتعظيم والحب الطاغي لقبر حوى رفاة خير خلق الله، ثم حييته وناجيته بعبارات متلعثمة بالعبرات قائلا: السلام عليك يا نبي الله، يا حبيب الله، يا صفوة خلق الله، يا سيد الرسل الكرام، أشهد أنك عبدالله ورسوله، بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في سبيل الله حق الجهاد.
ثم خطوت إلى اليمين لأواجه صاحبيه أبي بكر وعمر اللذين ينعمان بجوار الرسول في مثواه، كما نعموا بصحبته في محياه، وسلمت عليهما وترحمت عليهما، ودعوت الله أن يجازيهما خير الجزاء، لنصرتهما الله ورسوله وكتابه.
ثم ذهبت لزيارة البقيع، حيث مراقد أمهات المؤمنين، والصحابة الكرام، والتابعين، ودعوت للجميع بالرحمة والمغفرة والرضوان، ودعوت ألا يحرمني الله أجرهم، ولا يفتنني بعدهم، وأن يقيمني على العهد الذي عاهدوا.

و هكذا تحققت الأمنية التي كنت أظنها مستحيلة، برغم أني لم أكن أملك من أسباب تحقيقها إلا الرغبة الحقيقية وحسن التوكل على الله، فالحمد لله.

د. ابراهيم النهر

حال المحبين والعشاق زمان وضريبة حبهم

حال المحبين في الزمن الجميل... وليلة من ليالي عشقهم لليلى بنت الريف ودفع الضريبة ليحظى بنظرة من عينيها بكاميرا الأديب دكتور ابراهيم النهر
حال المحبين في الزمن الجميل
بمجرد غروب الشمس يغسل شعره تحت الطرومبة بالصابونة الغسيل والتي تزيد الشعر خشونة وتجعله أكثر تليفا ويمشطه وهو مبلل ليثبت فلم نكن نعرف الجل والكريم، وذلك بعد أن يتحايل على أخيه الأصغر ليطمبر عليه ويَعِدَهُ بأن يعطيه شلنًا، ثم يرتدي الثوب الذي على الحبل ويضع من قارورة الرائحة والتي برائحة الفزلين، ويتعجل أخته لوضع مائدة العشاء، فتنظر إليه نظرة ماكرة بعين ونصف، وتقول له (أنا عرفاك متظبرق ومستعجل ليه) فيخطو نحوها وهو يزمجر بعبارات الغضب، فتهدده بأبيه فيهدأ ويرجع يستعطفها ويسترضيها.

وبعد العشاء يتسحب وبدون أن يشعر به أحد يحمل التسجيل وشرائط الكاسيت وقلبه يسبقه وأقدامه تطوي الأرض طيَّا إلى بيت ليلى، ولا ينسى أن يمر في طريقه على الدكان ليتحمل باللب وأقراص الحلوى الحمصية والسمسمية والتى كانت تحبها ليلاه.

وهناك يطرق الباب وقلبه يشرئب من عينيه ليرى ليلى عندما تفتح الباب، وهو يتخيل ليلى تدندن بأغنية فايزة أحمد (ياما الأمر ع الباب) فإذ بأم ليلى هي التي تفتح الباب وتخبره بأن أبا ليلى يُفرِّد شتلة الأرز وفي انتظارك هناك وستأتيكم ليلى بالشاي، ثم تأخذ منه اللب والحلوى.
وينصرف محبطا يجر أذيال الخيبة وعند الغيط يخلع ثيابه ويغوص في الطين ويبدأ في صفع أصداغه وقفاه ليقتل الناموس وقد يكون تأديبا لنفسه ومتخذا الناموس ذريعة..... ربما؟
وبعد أن يغدو أشعث أغبر تأتي ليلى بالشاي وهي تأكل أقراص الحلوى وتتسلى باللب وتصب الشاي، ويتصبب جبينه بالعرق ضريبة للحب.
ويجري لتشغيل الكاسيت ليسمعها أخر ما غنّى عوض المالكي في الحب (خيشه ولنده عفاره وليلى ونشحت بشكاره)، ولكن نقيق الضفادع يحول دون ذلك، وهكذا كان حال المحب، وعلى قدر حبه تكون تضحيته وتحمله للدغ الناموس وعصا أبيه المتربص له عند عودته فجرا خلف باب الدار.
د. ابراهيم النهر

ماذا علمني أبي؟ .... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر عن طفولته الريفية ودور أبيه في تحفيزه على التعليم وتدريبه على تحمل المسؤولية بأسلوب أدبي ممتع وشيق

ماذا علمني أبي؟.... يسرد فيها دكتور ابراهيم النهر شيئا عن طفولته الريفية ودور أبيه في تحفيزه على التعليم وتدريبه على تحمل المسؤولية بأسلوب أدبي ممتع وشيق.
ماذا علمني أبي؟
جلست يوما أتذكر، ماذا علمني هذا الرجل الذي يُدعى أبي؟ فلم أجد شيئا مميزا علمه لي إلا الاعتماد على النفس وتحمل المسئولية والثقة بالنفس.
لا شك أنه كان من مشجعي التعليم، فأذكر له وأنا في أولى إبتدائي، أنه كتب لي رقما بالآلاف ووعدني لو قرأته سيشتري لي ساعة يد، فلما قرأته طبطب على ظهري وقبلني من جبيني وربَّت على كتفي وعبث بشعري ومدحني وأثنى عليّ.
وفي الصباح ذهبت إلى المدرسة وعند عودتي وجدته ينادي عليّ أقبل أقبل فجريت إليه فأخرج من جيبه علبة وقال هذا ما وعدتك به أمس، فالتقطها منه وأنا أهلل ساعة ساعة ساعة واحتضنته وقبلته، وفتحت العلبة فإذ بساعة چوڤان مينتها زرقاء، وأخذ يعلمني فيها ولبستها وذهبت معه إلى الغيط وأنا مشمرا عن ذراعي الأيسر وواضعه على صدري، وأريد أن يراها العالم كله، وقد كان العالم بالنسبة لي في ذاك السن أهل عزبتي.
وثاني يوم لبستها وذهبت إلى المدرسة وأنا طائرا من الفرحة وأضرب حماري وأهز بعنف رجليَّ أُحثه على السير بسرعة، ليرى زملائي ساعتي، وأنا أشعر بنفس الشعور والإحساس الذي كان ينتابنا ليلة وصباح أول يوم في الدراسة من الرغبة في ارتداء الملابس الجديدة ويراك زملاؤك بها، وعندما وصلت إلتف حولي زملائي وبعض المدرسين ليتفرجوا على ساعتي ويستأذنونني أن يضعوها بأيديهم دقائق.
ولكن للأسف لم أفرح بها كثيرا، ففي نفس اليوم كان عندنا حصة ألعاب وخلعتها حفاظا عليها ووضعتها في حقيبتي وبعد أن انتهت الحصة أسرعت إلى حقيبتي فلم أجد الساعة، واختفى اللص بين التلاميذ وكأن براءة الطفولة غير كافية لكي لا يكون من بينهم لصوص، اختفى تماما كما يختفي اللصوص ذوي اللحى والمسابح بين صفوف المسبحين الآن، مما جعلني أجزم أنه داء له جينات تُوَرَّث، ولكنهم إن خدعوا عدالة الأرض فهناك عدالة أخرى لا يفلت منها أحد.
وانطفأت فرحتي ورجعت أجر أذيال الحزن والخوف، حزينا على ضياعها وخائفا من عقاب أبي، ولكن أبي خيَّب ظني وقال لي (فداك)، وكانت هذه الكلمة بمثابة هدية أخرى أثمن وأغلى عندي من الهدية الأولى.
ومن مظاهر حرص أبي على تعليمي أيضا أنه كان يعزم ناظر المدرسة والمدرسين على الغداء يوما في العام ويذهب لهم ب(دوقتهم) مما يزرع من بطيخ وسوداني، وكان يذهب كل شهر إلى المدرسة ليتفقد أحوالي وخصوصا في السنوات الأولى، ولكنه لم يكن أبدا في صفي فدائما ما كان يوصي المدرسين بضربي إذا قصرت أو أهملت في دروسي.

نرجع إلى موضوعنا، كيف علمني أبي تحمل المسئولية والثقة بالنفس؟
كان يجلسني معه في مجالسه ويشركني في حديثه ويعرفني على ضيوفه ويفسح لي المجال إذا أردت الحديث بالاصغاء الجيد وابدائه الاستفادة مما أقول بادعائه أن ما أقوله جديدا بالنسبة له ولا يعرفه من قبل، فكانت الثقة بالنفس.
وكنت كلما جلست معه يحدثني عن ديونه وهمومه ومشاكله، حتى إنني كنت أتمنى أن أكبر وأحمل عن كاهله كل ما يؤلمه، وكنت أقتصد في متطلباتي لكي لا أرهقه، فكنت أبري قلمي حتى يفنى عن أخره، وعند كتابة الواجب أُصَغّر خطي حتى تكفيني الكراسة أكبر فترة ممكنة، وهو لا يشعر بذلك ولكنه غرسه فيّ دون أن يدري، صرت شابا في هيئة طفل.
فلم يقل لي يوما ذاكر بل كان يقول (اللي يذاكر يذاكر لنفسه)، وفي الثانوية العامة كان ينام ويصحو فيجدني أذاكر فيقول(كفاية كدا نام)، بارك الله في عمره وأعانني على بره، فقد أوصلني إلى درجة من تحمل المسئولية أصبح هو نفسه مشفقا عليّ منها.

د. ابراهيم النهر

خواجايه.... قصة واقعية تجسد مشهد من سلوكيات ابن الريف عندما يلتحق بالجامعة ويفتن بالجمال الخلاب لبنات المدينة

خواجايه... قصة واقعية تجسد مشهد من سلوكيات ابن الريف عندما يلتحق بالجامعة ويفتن بالجمال الخلاب لبنات وفتيات المدينة.
خواجايه
كان لي زميل جامعي مولعا بالفتايات لا ينفك يذكرهن، وكان مغناطيس قلبه لا ينجذب إلا إلى الفاخر منهن (السوبر ستار)، وكنت عندما أقول له ذوقك وطموحك أعلى بكثير من امكانياتك، كان رده أعلم ولكن ما المانع أن أحلم.

كان من أصول ريفية، بسيط الملبس (قميص كاروهات ولا يدخله في البنطلون القماش) ، يتكلم بتلقائية ولهجة ريفية لم يحاول أن يعدل منها والتي كانت سر جماله، قد أعفى شاربه، ويفرق شعر رأسه، طويل القامة، مبتسما دائما، خفيف الظل وسريع البديهة، لا تمل من الحديث معه.

ومما أذكره من سرعة بديهته وخفة ظله، إننا في يوم قد ركبنا منيباص النقل الداخلي وعند حصان باب شرق قال أحد الزملاء انظروا جدي مشيرا إلى الفارس الذي يمتطي الحصان، وبسرعة بديهة كان رد زميلي هذا ”ومن الذي يركبه؟“
لنضحك جميعا ضحكا هستيريا متواصلا حتى نزلنا.

وكنا عندما نجلس قبل دخول الدكتور لإلقاء المحاضرة، كان يعقد مقارنة بين فتاته وباقي الفتايات، وكانت فتاته خواجايه بمعنى الكلمة، العيون الخضراء، والشعر الأشقر، والقوام الفرنساوي، واللهجة الأسكندرانية المطعمة باللكنة الفرنسية، فقد كانت بحق وردة وسط خريف المدرج،  وكان أبوها أستاذا بالجامعة، وأمها فرنسية الجنسية، وفوق كل ذلك كانت من أوائل الدفعة، إن لم يكن بتفوقها فبجمالها، وإن لم يكن بالاثنين فبمنصب أبيها.

وكان هذا الزميل متيما بها لدرجة أنه كان يقول أن بنات الحور لو كانت مثلها لكفى جمالهن، وكان عندما تُصبِّح عليه لا ينام ليلتها من كثرة الكلام عنها والتفكير فيها، وكان يفتعل المواضيع التي تفتح له مجالا للحديث معها.

وفي يوم من أيام سنة خامسة وقبل بدء المحاضرة تفاجأنا بها تفرق علينا قطعا من الشوكولاته والتي لم يزل مذاقها في فمي حتي الآن لأنها فعلا كانت شوكولاته من نوع نادر، ولكنها كانت لزميلي بمثابة غصة في الحلق فقد كانت بمناسبة خطبتها لضابط طيار.
د. ابراهيم النهر

الساقية .... ولقطة من حياة الريف زمان بكاميرا الأدب على يوميات دكتور ابراهيم النهر

الساقية .... ولقطة من حياة الريف زمان بكاميرا الأدب على يوميات دكتور ابراهيم النهر
الساقية

عند الحاجة إلى ري المحاصيل كنا نصحو وبزوغ الفجر، نصلي ونضع حزمة من البرسيم أو أي عشب أخضر للبقرة التي عليها الدور في الدوران في الساقية.
وكان أبي يوقظني معه ويردفني خلفه على الحمار ويسحب البقرة، وهناك يقوم بربط المخنقة حول عنق البقرة ووضع الغمى على عينيها لكي لا تصاب بالدوار، ثم يأتي لي بالسوط لأقوم بدور الجلاد، فعندما تتوقف البقرة أجري إليها وأنهال عليها ضربا بالسوط وأنا أصيح «عا .. عا» فترتفع القواديس إلى أعلى حاملة دفقات سحرية من مياه الترعة ثم تلقي بها في الجدول والذي يتفرع بدوره إلى قنوات على وجه الأرض كشرايين الجسد ويستمر سريان الماء في الجدول المناسب، والذي يقطع خريره وشقشقة العصافير وصوت سقاطة الساقية سكون البكور الريفي.
والوالد هناك في وسط الحقل في إستقبال ماء الساقية والذي يحمل سر الحياة ليوجهه بمعوله إلى الأماكن العطشى من الحقل، ليكبر ويثمر ويأتي الحصاد.
ما أشبه هذه الساقية بساقية الحياة التي نحن بصددها الآن مع بعض الاختلافات، فساقية الحياة نحن الذين ندور فيها في دائرة مغلقة لا فكاك منها ولا جديد فيها، وغمى العيون لا ليمنع الدوار ولكنه ليعزلنا عن العالم المحيط ويجعلنا عميا وصما وبكما، وسوط المتطلبات اليومية مع إرتفاع الأسعار يهري ظهورنا ولا يرحم ضعفنا ولا كبر سننا.

وللأسف ناتج هذه الساقية مهدر، فهو ناتج لا يجد من يوجهه فيضيع هباءًا منثورا، فالأب يدور في الساقية، والأم بسياط متطلبتها تجلده، والأبناء هم الناتج المهدر الذي لم يجد من يوجهه.
د. ابراهيم النهر

زفة العريس...زمان ....بكاميرا الكلمات وريشة التعبيرات

زفة العريس أيام زمان بكاميرا الكلمات وريشة التعبيرات للأديب دكتور ابراهيم النهر
زفة العريس
زمان لما ليلة الحنة كانت تنتهي ويتحنى العريس، بعدما ترقص أمه بصينية الحنة المغموس بها عدد من الشموع المضاءة قدامه، وهو جالس على الكرسي في وسط أصحابه، الذين يقوم أحدهم بأخذ صينية الحنة من على رأس أمه بعد ما أجهدها الرقص بصفته المحناوي، وهو يغني (الحنة الحنة يا بنات، أنا الحناوي يا بنات، أجرح وأداوي يا بنات ..   ..) ثم يقوم بنقش كفي العريس وقدميه بالحناء، ثم يقبض العريس كفيه فترة من الوقت حتى تجف الحناء ولا يغسلها إلا في الصباح، فيجدها قد خضبت كفيه وقدميه.
ثم يذهب إلى أبعد بيت في العزبة من بيته، ويمكث فيه حتى يحين وقت زفته، ويأتيه الحلاق فيحلق له شعره وذقنه ويزينه ويعطره.
وعندما تأتي عروسه يجلسونها على كرسي في الدهليز وحولها الفتايات من أهلها يغنين لها (سلم أبوها اللي رباها للناس الزينين عطاها)، والعواجيز من مداعي العريس يهمسن في أذن بعضهن بعدما يحدقن ويمققن ليخرجن فيها عيبا، فإن لم يجدن عيبا قلن حمراء الوجنتين.
وتظل هكذا بفستانها الأبيض محط أنظار النساء من أهل ومداعي العريس، وبعدما ينتهون من إطعام أهلها، يدخلونها غرفتها، ويذهب الشباب قبل غروب الشمس لزفة العريس، فيجدوه في أبهى صورة، جلباب أبيض، وشال زهري ينساب على كتفيه ويرمي طرفيه حول عنقه، والطاقية التي قد عوجها له الشباب إلى الأمام لتغطي نصف جبهته، ويمسك عصا خيرزان بيضاء معكوفة من أعلى، ويتبادلها بين كلتا يديه، لا أدري أقلقًا أم عياقة أم هما معاً؟.

وتبدأ الزفة من الغرفة التي كان يتزين بها، شاب يطبل على الطشت، والباقون يصفقون، وأحدهم يغني والباقون يردون عليه، ومما أتذكره مما كانوا يقولون (عريسنا من دون العرسان عليه الريحه والريحان) وقولهم أيضا (عريسنا ماسك عود الفل العقبال الجدعان الكل)، وما أن يمشي العريس خطوات معدودة إلا ويجلسوه على الكرسي الذي يحمله أحدهم خلفه، وكنا نحن الأطفال نزاحم الشباب ونمرق من بين أرجلهم لنرى العريس، وعندما يقتربون من بيت العريس الذي قد تم طلاؤه بالجير، يعلو صياحهم ثم يحملوه على الأعناق ويطوفون به، ولولا الشياب لعادوا به ليعيدوا الكرَّة من جديد، وفجأة تأتي اللحظة التي ننتظرها نحن الأطفال بخروج أم العريس لترش الملح الحصى وحبات الحلوى على الرؤوس، ونتنافس ونتدافع في التقاطها.

وقبل غروب الشمس ينزع منهم نزعا، ويدفع إلى غرفته دفعا،
ولا تمر دقائق حتى ترقص أم العروس وأخواتها بالمناديل الحمراء، وهن يقلن (يا نخلة يا مفرعة شرفتي اخواتك لربعه).

ثم يتم من ثاني أيام الفرح دعوة العريس لتناول وجبة العشاء عند الأقارب والجيران بالحجز المسبق طول مدة شهر العسل تقريبا، وبعد وجبة العشاء يصطحبنا العريس معه إلى غرفته لرؤية عروسه ونشرب الشربات ونضع (النقطة)، ونحن خارجون يعطي كل صبي منديل قماش معطر، وتعطي العروس كل صبية إشارب.
د. ابراهيم النهر

الكشف الأول لكل طبيب

الكشف الأول لكل طبيب ... والاختبار الصعب بقلم دكتور ابراهيم النهر يسرد تجربته الشخصية ويحكي ظروف وملابسات أول كشف له.
أول كشف لي
بعد ما انتهيت من امتحانات السنة السادسة في كلية الطب وهي سنة (دوبل) تبدأ من سبتمبر وتنتهي في ديسمبر من العام التالي، فتأتي علينا فترة ثلاثة شهور يكون فيها سنة سادسة قديمة وسنة سادسة حديثة، وأصبحت طبيبا على الورق، أو بمعنى آخر طبيبا نظريا، وإن كنت قانونيا مازلت غير مصرح لي بالعمل كطبيب، فتصريح مزاولة المهنة بعد سنة الإمتياز، ولكني فوجئت بطلب أحد زملائي مني بالعمل في إحدى المستشفيات الخاصة (شيفت نايت) من الثانية صباحا حتى الثامنة صباحا بثلاثين جنيها على ما أتذكر، فقلت له ولكني لم أعمل بهذا العمل قبل ذلك، فأعطاني كتابا به بعض الأعراض وكيفية التعامل معها وأسماء الأدوية المناسبة لها، وقبلت أن أذهب ولكن كلما كان يقترب الوقت من الساعة الثانية كان يزيد توتري وقلقي، وفي تمام الساعة الواحدة ارتديت ملابسي وشربت كوب شاي وركبت من محطة مصر المشروع الموصل لهذا الحي ونزلت أمام المستشفى، وأنا متردد ومتوتر جدا فلأول مرة سأكشف على مريض وأتخذ قرار مصيري ولن يراجعه أحد بعدي، ولكن كالعادة وكما يحدث مع كل طلبة الطب الريفيين فمنذ ظهور نتيجة الثانوية العامة وقبل حتى ظهور نتيجة التنسيق يلقبون بالدكتور (الدكتور ذهب الدكتور أتى)، مما يحثك على تعلم بعض الممارسات في السنوات الأولى من الكلية كقياس ضغط الدم واعطاء الإبر العضل والوريدية وتركيب الكانيولا.

وعندما يمرض قريب أو جار لك وتذهب لعيادته تُقام لك لجان امتحانات من مدعيّ الثقافة، ويبدأون في اطلاق وابل الأسئلة صوبك في الوقت الذي أنت مازلت فيه لم تدرس طبا ولكنك تمهد لدراسة الطب الذي يعنوه، تدرس مواد أكاديمية بحتة كالتشريح ووظائف الأعضاء والأنسجة والخلايا وغيرها، كأن يسألك أحد المتفلسفين ما الفرق بين السكر في البول والسكر في الدم؟
ووقتها يكون هذا السؤال شكله وجيها بالنسبة لك، ولكنك لا تعرف إجابته وتتلجلج في الكلام فيبدأ هذا الفيلسوف في الإجابة ويجذب إليه أسماع الحاضرين كأن يقول أن السكر في البول أقل خطورة من سكر في الدم، فالأول تبرأ منه تماما ولا تحتاج إلى علاج دائم، وكأن هناك فرق علمي فعلا بين وجود السكر في البول والدم، ومازالت رواسب هذه الأكاذيب نواجهها في عيادتنا إلى الآن، والحقيقة هي أن السكر عندما يرتفع في الدم يظهر في البول.
أو عندما يفتي آخر بأنه لا داعي لعمل عملية جراحية لمريض الصفراء الإنحباسية والتي تسببها حصوة في القناة المرارية، متعللا بأن قريب له كان عنده الصفراء وذهب إلى فلان فكوّاه على عضده وبرأ منها تماما، ثم ينظر إليك ويوجه إليك سؤلا تقريعيا (وللا ايه رأيك يا دكتور؟)
وأنت مازلت لم تكتمل عندك الصورة بعد، مازلت لا تعرف ما الصفراء وما أنواعها وما العلاج المناسب لها وما دور الكي في شفائها؟؟؟
كل ذلك وأكثر يواجهه طالب الطب الريفي، مما يجعله يتندي جبينه خجلا أنه لا يعرف وهو الطالب المتميز ومن أوائل مركزه في الثانوية، ويجعله يلوم نفسه ويُؤنبها، ظانا أنه تقصيرا منه لنكتشف أننا مازلنا بعد السنة السادسة جهلاء الرد على مثل هذه الأسئلة وأن رحلة المعرفة الحقيقية تبدأ بالإحتكاك الذاتي مع المرضى، تحت شعار علم نفسك بنفسك في سنة الإمتياز.
ورجوعا إلى شيفت النايت الذي كنت بصدده، دخلت المستشفى وعرفت موظف الاستقبال بنفسي فرحب بي وعرفني على الممرضة التي معي والتي خففت من روعي، ووعدتني بالمساعدة إذا احتجت.
ودخلت الغرفة الخاصة بالأطباء وأنا ألهث بالدعاء أن تمر الليلة بسلام ولا تأتي حالات، وفي تمام الساعة الرابعة صباحا رن التليفون، رفعت السماعة ولسان حالي يقول استر يا رب فإذ بموظف الإستقبال يقول حالة يا دكتور.
فوجدت جسمي كله يرتعد ولبست البالطو وأنا أنتفض ومرتبك ولكني أحاول أن أتماسك، وأبحث عن نظارتي في أرجاء الغرفة لأجدها بعد فترة من البحث فوق عيوني.

وذهبت مسرعا لأخفي ارتباكي، ويظنه المرافقون أنه إهتمام بحالتهم، لأجد فتاة في العشرين من عمرها، وملامح وجهها تكاد أن تختفي بسبب الورم الشديد، وتشتكي من صعوبة في التنفس، وهرش بالجسم مع ظهور بؤر حمراء في الجلد، وعند قياس ضغط الدم وجدته منخفض، ومن كلام المرافقين عرفت أنها أخذت قرص علاج من ساعة تقريبا.
فشخصت الحالة على أنها حساسية عقار، وأعطيتها أمبول ديكسا وأمبول أڤيل، وبَدَأَتْ الحالة في التحسن وبَدَأَتْ معها الثقة بالنفس تدب فيَّ.
وهذا التوتر والقلق قد يكون بسبب أنها أول حالة أكشف عليها وبسبب المبالغة في دراسة الآثار الجانبين للأدوية!!
...ربما!!!!

فإلى الآن أجد أطباء وفي فترة النيابة يتردد أن يعطي مريضا أمبول ديكسا لأعراضه الجانبية برغم أنه قد يكون مهمَّا للغاية، فقد يكون سببا في انقاذ حياة مريض.
د. ابراهيم النهر

بائع الفاكهة وحفيده

بائع الفاكهة وحفيده... قصة واقعية بقلم دكتور ابراهيم النهر
بائع الفاكهة وحفيده

استوقفني أثناء عودتي من العيادة الساعة العاشرة مساءً عند جسر من الجسور وتحت عمود إنارة مشهدا لرجل كبير في السن، يرتدي بالطو أسود، ويلف حول رأسه شالا أبيض، ويجلس القرفصاء ويخبئ يديه ما بين فخذيه وبطنه من شدة البرد، وأمامه قفصين أحدهما برتقال والآخر يوسفي، وخلفه سباطة موز معلقة على إحدى خشبات عشته والتي قد افترش أرضيتها بحصير بلاستيك أزرق متهالك، وملقى عليه شيكارة مملوءة بالقش كوسادة، وبطانية صوف مقلمة، خطوط بيضاء وبني بالتبادل، من تلك التي كانت تصنع يدويا من أوبار الجمال وأصواف الأغنام،  ذات الملمس الخشن، والتي تترك بعضا من شعرها على ملابسك بمجرد أن تتغطى بها.
سألته وهو يزن لي الفاكهة، ألا تبرد يا عمي وأنت تنام هكذا في الخلاء؟
فأجاب بابتسامة يكسوها الرضا: (يا بني ربنا حنين وكريم ورحيم بعباده ويرسل البرد على قدر الغطا، بمجرد ما أدخل تحت الباطنية القديمة وأنكمش في بعضي أشعر بدفء لم أشعر به في غرفتي المغلقة وعلى سريري)
فقلت له: سبحان الله، والله إني لأتغطى بثلاث بطاطين وأشعر بالبرد ينخر في عظامي.
فقال لي: ماذا تعمل؟
قلت: طبيبا
فقال: ألا ترى أن الفقير يُشفى بقرص ريڤو من الصيدلية، في حين أن الغني يذهب إلى الطبيب ويدفع قيمة الكشف، ويطلب منه الطبيب عمل تحاليل وأشعة ثم بعد ذلك يكتب له وصفة العلاج، وينفق ما لا يقل عن الألف جنيه، وهنا تتجلى رحمة الله بعباده، وهو يهز رأسه.
ثم انتزع كيسا أسود من رزمة الأكياس المعلقة بجانبه، ثم أخذ يضع فيه ما يزن من الفاكهة، وواكب ذلك مجئ طفل ابن العاشرة من عمره يرتدي آيس كاب وهو يحمل قارورة ماء قد ملأها من بيت مجاور ودخل بها العشة ووضعها وهو يتمتم بكلمات لم أسمع منها إلا كلمة جدي، وتدثر بالبطانية وأمسك بكتاب وأخذ يحقق ويمقق على ضوء عمود الإنارة الخافت. فقلت له: من هذا؟ وماذا يفعل؟
فقال: هذا حفيدي محمد قد مات والده وتركه واخوته، ويأتي كل يوم بعد المدرسة ليساعدني وينام معي، وهو الآن يذاكر استعدادا للامتحان غدا....
فنظرت إلى الطفل المنهمك في الكتاب وبدت على وجهي علامات التعجب والاستغراب!!
ولم يكن تعجبي لما يفعله الطفل من النحت في الصخر وتحدي الصعاب فقد كنت كذلك، ولكن تعجبي بمقارنته بأطفال جيله.
واستكمل الجد كلامه قائلا: ويحصل على المركز الأول كل عام ويكرم كل عام ويأخذ شهادة تقدير.

مما زاد من اعجابي به، الإصرار على التعليم والتفوق متغلبا على كل الظروف الصعبه المحيطة به، ابتداءً باليتم وانتهاءً بالفقر، وعلمت أن نوابغ الفطرة ما زالوا موجودين برغم الزحف الطاغي لصناعة الأوائل.
د. ابراهيم النهر

واحد أبريل

واحد أبريل .... قصة تحاكي الواقع نسجها بخياله وصاغها بقلمه دكتور ابراهيم النهر
 
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، وما قرأت إعلان مسابقة عن عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة فيها، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، والعرق الذي ينبع من جبهتي، وأدفع به خجلي الذي تنطلي به سحنتي، كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر، ولكن في الحقيقة الذي كان يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.

وبعد أن يأست ورضخت مستكينا تحت صخرة الواقع، وأفقت شيئا ما من نشوة خمرة الشباب وأحلامي الوردية، فقد مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف.
وبدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليل في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد بالشئ الفلاني، وكنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، فسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، فأجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي ظننتها عجزا ويأسا فقد كنت غِرا ولا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، حيث قال: وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم  أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.
وبدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم، وأثناء البحث عن عمل، استيقظت مبكرا وكان الجو مشمسا، وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر  وكنت قد أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت وإلى أن جاء المساء كنت قد شربت أربعة كئوس شاي، وحجرين معسل.
وفي طريق عودتي إلى البيت اصطدمت بعبد الفتاح والذي عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
ودون أن يمهلني أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
فقال عبد الفتاح: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك والتي كانت قد أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
فقلت: بجد ..!! لا لا ..!! أنت تمزح........!!
قال: بجد وها هو اسمك في الجريدة.
فقلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد كنت فقدت الأمل في هذه الوظيفة.
وكانت بداخلي رغبة خفية وجارفة في أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، ولكني كنت ما زلت في الشارع.
وعدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراتي أنا عايز أخدكوا في أحضاني.......»
وفتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، لأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، وبدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، والغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.

وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كعادتي كل ليلة، فكانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم النهر

ما بين الترعة والبيسين


ما بين الترعة والبيسين .... قصة تبحر بك بين ثنايات الماضي وحياة الريف بقلم دكتور ابراهيم النهر
ما بين الترعة والبيسين
أيام الصيف وفي وقت القيلولة وأشعة الشمس الحارقة، وفي الأفق وعلى مرمى البصر كنا نرى خيالات متحركة، وكنا عندما نسأل عنها أباءنا يقولون (غنم إبليس)، وهي في الحقيقة إنعكاس لأشعة الشمس بعد إرتفاع درجة حرارة الرمال إرتفاعا شديدا.
كانت بيوت القرية مستسلمة تماما لسهام الشمس، فالشوارع خالية ولا تكاد تسمع صوتا إلا صوت هؤلاء الصبية الذين يسبحون في الترعة التي تتوسط هذه القرية بعد أن يقفزوا من على جزع النخلة والذي يضعونه جسرا يربط بين شقي القرية.
هذه الترعة كانت بحر مصيفهم وحمام سباحتهم، ففيها يغسلون عرقهم وأدرانهم ويلعبون ويمرحون مع أقرانهم وهذا أسما أمنياتهم لو أباؤهم سمحوا لهم بها.
والآن أصبح منهم من يرتدي البدلة ورابطة العنق ويركب السيارات الفارهة ويشغل المناصب ويصيف في الساحل الشمالي ويشتي في شرم وقد يكون لديه حمام سباحة (بيسين) في ڤلته، وهذا جميل.
ولكن القبيح والعيب هو أن ينسوا أصلهم وأهلهم الطيبين، الذين يفتخرون بهم وعندما يرونهم في بعض المناسبات،  يهللون ويهتفون ويأخذونهم بالأحضان، ولا يدرون هؤلاء الطيبون أن من يفتخرون بهم يحضرون هذه المناسبات على مضض ويُنَفِّضون أيديهم وملابسهم بعد السلام عليهم  ويتأففون من أحضانهم.
العيب كل العيب أن ينسوا الترعة التي كانت مصيفهم وحمام سباحتهم، أن ينسوا أصحاب طفولتهم لمجرد أن أيديهم خشنة وأقدامهم مشققة، وقد يكون من خشنت أيديهم وتشققت أقدامهم هم من جعلهم الله سببا في نعومة أيدي هؤلاء وأرجلهم.
والأدهى والأمر لو كان من يفتخرون به طبيبا، فكان من الأحرى به أن يعالج أمراضهم وخصوصا البلهارسيا التي أكلت أكبادهم بسبب الترعة التي كانت حمام سباحته وسباحتهم ولكن مَنّ الله عليه وأصبح من أصحاب البيسين، لا أن يتبرأ ويخجل منهم، فما تعلم إلا بهم ولهم.

د. ابراهيم النهر

موسم حصاد الأرز

موسم حصاد الأرز .... أيام زمان
موسم حصاد الأرز
كان شهرا أكتوبر ونوفمبر من أحب شهور العام لقلبي ففيهما موسم حصاد الأرز والذي كان يُحصد بالأيدي العاملة بواسطة المناجل ويُرفع إلى الأجران بالجِمال، في جو رائع، سماء تخالطها السحب وأسراب الطيور وأحيانا زخات المطر.

ثم يجتمع الأهل والجيران وكل من شارك في هذا العرس لتناول وجبة عشاء شهية ولذيذة، ليواصلوا العمل ليلا على نور القمر ووجوه الحسناوات لدرس المحصول بعجلات الجرار الزراعي بحركة دائرية على القرص لفصل الحب عن القش.

ليأتي دور المدراوي والذي ما أحببت هذا الموسم إلا من أجل اللقاء به والسمر بحديثه والتبرك بطيبته رغم إنني لم أكن إلا ابن العاشرة ولكنه كان يعطيني مساحة للحديث معه بإصغائه الجيد وإظهاره الإستفادة من حديثي (رحمه الله رحمة واسعة وغفر له).
 كان شيخا كبيرا متدينا يلبس قميصا أبيضا يغطي إلى منتصف ساقيه، محبا لمشروب الشاي.
كان يقول لي( يا رهومه هات عرف جنزاوير وتعالى اسحب من تحت المدره) وكنت بفرع الجزوارين أسحب الشوائب وأعواد القش التي لا تطير مع الريح، سعيدا بالحديث معه وسعيدا بدوري في استخلاص الذهب.

هذا الرجل كان جُل ما يملكه نصف فدان وتبرع به لبناء مدرسة ومن قبلها مسجد، ولم يفتح بجوارها دكانا أو إشترط تتعين ابنه أو حفيده، بل لا أراه فعلها إلا إبتغاء مرضات الله وإيمانا بقوله تعالى (ما عندكم ينفد وما عند الله باق).

في الوقت الذي فيه من يمتلكون عشرات الأفدنة ليس فقط لا يتبرعون للأعمال الخيرية إلا لعلة، بل أيضا يأكلون السكك والحدود «إلا من رحم ربي» صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-(ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس).

لله درك أيها الرجل، ولأنه يعلم أنه لا خلود إلا خلود الآخرة رفض أن تحمل اسمه، وسميت باسم المنطقة (مدرسة النهر).

أخرجت هذه المدرسة أطباء ومهندسين ومدرسين وأدباء وأئمة وما زالت تُخرج وستزال بإذن الله.
اللهم اجعلها صدقة جارية وعلم ينتفع به في ميزان حسناته.

رحمه الله إنه الشيخ #عبدالجواد منصور النهر.


د. ابراهيم النهر

محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مرسى مطروح بقلم دكتور ابراهيم النهر

محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مرسى مطروح بقلم دكتور ابراهيم النهر

محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مطروح
بعد انتهاء امتحانات السنة الثالثة بكلية الطب، وفي ليلة من ليالي الصيف القمرية، كنت أجلس مع ابن عم لي على الرملة التي بجوار مسجد القرية، وقررنا أن نسافر إلى مطروح ونلحق بأخي الذي يعمل هناك بعد أن أنهى امتحاناته بكلية الآداب، ونكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد، فمنه فسحة ومنه عمل.
وفي الصباح الباكر حملنا حقائبنا وسافرنا إلى الإسكندرية، وفي محطة أتوبيس مطروح كان الفقراء المسافرون يضج بهم المكان ويرفعون أعناقهم  مثل الإوَزّ مع وصول كل  أوتوبيس ليروا رقمه ولافتة اتجاهه، ونظراتهم نظرات من يخاف أن يضيِّع شيئا ما، وقد علقوا حقائبهم ذات السوستات الخربة في أكتافهم ويظهر منها جهاز راديو ببطاريات، وما بين لغط مكبرات الصوت وضوضاء الأتوبيسات والباعة الجائلين (أي حاجة بجني) يخافون أن يضيعوا رحلتهم الخاصة، والذين ينامون على الدِّكَّات يستيقظون فزعين وجاهزين للانقضاض.
ما أبشع صورهم التي تجمع بين الرهبة والصبر والخضوع، ما أخبث رائحتهم وهم بعد ما زالوا على مسافة، لا يحسنون التصرف بحضور الناس، ولك أن تتخيل أصابعهم التي صُبغت بالنيكوتين وهي تفرك العيون الحمراء، على الأرصفة يمضون ويعودون، يقفزون ويؤمنون الحقائب والطرود، يطرحون أسئلتهم الوقحة في الشبابيك، ويهمسون بكلمات ملغزة، ويتأملون أغلفة المجلات في حالة ذهول، ويرمون بمخلفاتهم وبقايا طعامهم بجوار جدران المحطة.

الفقراء لا يعرفون الطريق إلى صالون الحياة، بذلك المضي وتلك العودة، وتلك الثياب غريبة الأطوار بروائحها المزعجة، وتلك الحمرة الفاقعة للمهرجان الشعبي، ولحديقة الملاهي، وعلى شواطئ البحر صيفا، وعلى ضفاف النيل في شم النسيم، مناظر تتأذى منها العيون، والباعة الجائلون الذين يعوقون حركة المارة، و........، و........

الفقراء لا يعرفون كيف يسافرون وإن كان الأغنياء يسافرون جالسين، وهم يسافرون واقفين، ولا يعرفون كيف يلبسون، وأيضا لا يعرفون كيف يعيشون، ولا حتى كيف يموتون؟
يكاد يكون موتهم دائما بشعا ومزعجا.

وما إن وصل الباص إلا وتكدسوا على الباب ويدفع بعضهم بعضا ويشد بعضهم بعضا، برغم أن التذاكر مرقمة بترتيب الكراسي، ولكنهم تعودوا على الزحام على كل شئ، على أرغفة العيش، على اسطوانات الغاز، على حجز التذاكر، في استخراج جواز سفر، في استخراج بطاقة، في عمل فيش، في دفع رسوم، في عيادات المستشفى، في أي مصلحة قد تخطر لك على بال، فصار التزاحم للتزاحم سمة من سمات هذا الشعب.
ثم انطلق الباص يخترق الصحراء، ويطل علينا البحر ولا يلبس يختفي خلف كسبان الرمال، وأدار السائق الكاسيت الذي يصب على أسماعنا نغمه عبر السماعات التي تعلو كل كرسي، وأخذ الباص يسبح في كلمات مأمون الشناوي ولحن بليغ حمدي وشدو كوكب الشرق أم كلثوم ورائعة (أنساك).

وقد أزحت الستارة البنية من على زجاج النافذة، وسرحت مع هذا الجو في الصحراء الشاسعة كراعي الأغنام والإبل الذي يقطع كل فترة وحشة الصحراء بخيمته وبعض شجيرات التين من حولها تؤنسها، وسيدة بزيها البدوي وحزامها الأحمر وتحمل على رأسها جرة ماء وخلفها صبية يحمل كل واحد منهم قارورة ماء.
وكان لا يشوه جمال اللوحة الطبيعية إلا أصوات هؤلاء الذين راحوا يغطون في نوم عميق، ولا يقومون إلا ليخرجوا سندوتشات السدوق أو البيض والبصل ويتخللها طرشقة زجاجات الماء وهم يشربون، ثم يتجاءشون، وينامون، فقراء لا يعرفون كيف يتمتعون!!!
وصلنا عصرا فاتجهنا إلى البحر لأجده بحرا مختلفا عما رأيت من بحار، بحرا قد عُجِن بضوء الشمس، ماؤه يتلألأ كالفضة، ورماله بِكر كأن لم تطأها قدم من قبل، وهواؤه كأنه ماء بارد يروي الظمآن.
رحلة استمتعت بها كثيرا على الرغم من أنني لم أجد فيها عملا يناسبني، فكل أعمالها كانت في المعمار.
ويظل البعض للأسف ممن لا يعرفون كيف يتمتعون يذهب إلى هناك بظمئه ودرنه ويعود بهما إن لم يكونا قد زادا.

عند الوصول أخذنا جمال المنظر حتى نسينا ما جئنا من أجله، و لم ينبهنا له إلا لون شفق الغروب الذي بدا لنا على صفحات مياه البحر الهادئة، فارتدينا ملابسنا بسرعة، وتذكرنا وقتها إننا غرباء ولا مأوى لنا في هذا البلد.
لم يكن جهاز الموبايل قد أُختِرع بعد، وكل ما نعرفه عن عنوان أخي مجرد خطوط عريضة لا تصل بنا إلى مكان سكنه بالتحديد، ذهبنا إلى المنطقة التي يسكن بها ولكننا لم نصل إلى نتيجة، وقابلنا أحد الأشخاص الذي استضافنا للمبيت عنده، وقال: إننا بهذا العنوان كمن يبحث عن إبرة في كوم قش، ونصحنا بأن نذهب في الصباح الباكر إلى شارع الإسكندرية فقد نتقابل معه هناك، وبالفعل قمنا مع بزوغ الفجر وتوجهنا إلى هناك، وبعد أن كاد اليأس أن يتسلل إلى نفوسنا لمحت أخي من ظهره يخرج من سوبرماركت، فوثبت واقفا وهرولت إليه قبل أن يبتلعه زحام الشارع، وبعد أن تبادلنا الأحضان والقبلات والسلامات الحارة اصطحبنا معه إلى مكان عمله ثم سكنه، وأخبرنا أنه لم يخرج لهذا الشارع منذ أسبوع، ونادرا ما يأتي إليه، ولكن شيئا ما جعله يخرج ليتبضَّع منه للفطار اليوم، سبحان الله لنجدا الإبرة في كوم القش.
ومرت الأيام ولم نجد عملا إلا في المعمار، فاقترح ابن عمي لو نصنع شايا على الكورنيش، فوقعت الفكرة من نفسي بمكان فبادرنا في تطبيقها، وكان ابن عمي خجولا جدا فيصنع الشاي ويخجل أن ينادي ليجذب انتباه الناس، فكنا نصنعه ونجلس لنشربه، وعندما جاء نحونا أحد المارة واستبشرنا خيرا كان يريد أن يشرب ماءً.
وكنا كمن جاء ليبيع الماء في حارة السقايين، وعدنا في المساء نجر أذيال الخيبة، وأفنينا ما معنا من سكر وشاي على بطوننا، وإلى الآن عندما أتقابل مع ابن عمي الخجول نذكرا القصة، والرجل الذي فرَحْنا بقدومه نحونا، فخذلنا وكان يريد أن يشرب ماءً، ونضحكا.
د. ابراهيم النهر

فضفضة طريق: على يوميات ابراهيم النهر

فضفضة طريق: على يوميات ابراهيم النهر
فضفضة
وجدته في الصباح الباكر لأحد أيام الشتاء مرتديا بالطو الخفير الذي قد سقطت أزِرَّته، فقد تصدق عليه به أحد الجيران، أو قد يكون اشتراه من الباعة الجائلين الذين يبيعون المستعمل، وكان يحمل في يده صرة غالبا أن بها غداءه، رغيف خبز وقطعة جبن وبصلة، ومنتعلا حذاءه البلاستيك وقد تحمل بطين الطريق الذي خلفه المطر، وقد شمر ذيل ثوبه بيده الأخرى ويجتهد قدر المستطاع تفادي بقع المياه التي امتلأ بها الطريق، وأظنه لم يسمع صوت السيارة فقد كان يغطي رأسه وأذنيه ب كوفية قد ورثها عن أبيه، ولكني لم أستخدم آلة التنبيه مخافة أن يُفزع وينزلق في الطين، وعندما اقتربت منه أكثر سمع الصوت وأخلى الطريق منحرفا إلى اليمين.
بمحازاته أوقفت السيارة، فنظر إليّ من خلف الزجاج الذي ما زالت بعض القطرات من أثر المطر عالقة به، وعلت ملامح وجهه التي شابتها التجاعيد إبتسامة، فملت إلى الجانب الآخر بجذعي وجذبت الأوكرا، ربما لا يعرف كيف يفتح الباب، فوجدته قد انهال عليّ بعبارات الشكر والثناء والمديح، ويعتذر عن عدم الركوب بحجة أن ما يحمله حذاؤه من طين ستتسخ به السيارة، وبعد إلحاح مني ركب بعد أن مسح حذاءه في عشبة جافة على حافة الطريق.
وبدأ حوارا معي أدمى قلبي وأنا أسمعه، وأتأمل تجاعيد وجهه التي غزت بلا هوادة ملامحه الجميلة، وعينيه الغائرتين ولكنها ما زالت خضراء وتحمل شيئا من براءة الطفولة، وكاهله المحمل بجبال من الأعباء قد أحنى ظهره، وصدره الضائق بالشكوى التى حبسها بداخله لعدم وجود من يفضفض معه.

أخذ يسرد عن الخفير والمُخبِر والمُحضَر والمُحصِل الذين لم يرحموا باب داره يوما من الطرق، ثم انهال في البكاء وكأنه بركان قد انفجر، وهو ينهنه ويتمتم بعبارات توقظ الضمائر النائمة، قائلا؛ لقد تركنا لهم الحكم والسلطة والمناصب والسياسية بغية أن يتركوا لنا أحذيتنا البالية وأثوابنا المرقعة، أن يتركوا لنا رغيف الخبز وعود الفجل وقطعة الجبن والبصلة، ولكن لا فائدة، لا مكان لأجير مثلي في هذا البلد، ونزل وهو يكررها ويبتعد شيئا فشيئا حتى اختفى خلف المطر.
د. إبراهيم النهر

العُزلة الإلكترونية ...


العُزلة الإلكترونية ...

.............................

 العزلة الإليكترونية على الرغم من أني متزوج وعندي ثلاث بنات إلا أني أشعر بالوحدة، وأذهب إلى العمل ليس بحثا عن المال كما هو الحال في الغالب الأعم، ولكن بحثا عن الصحبة في مجال العمل، وما أن إلتحقت بالعمل إلا وخاب ظني وزادت أسوار العزلة من حولي، فجل الأحاديث في الغيبة والنميمة، والهمز واللمز، والصراع والمنافسة الغير شريفة على الترقية، والتقرب من الإدارة والتمسح في بركتها، وبرغم أني تركتها لهم ولم أنافسهم عليها، إلا إنني لم أنج من بعض شظاياها. ولحسن حظي أني طبيب أمراض صدرية مما يجعلني دائم وضع السماعة بأذنيَّ مما يعوق سماع مثل هذه الثرثرة التي تشحن النفس بالنفايات العاطفية التي تفسد ودي ووئامي وسلامي الداخلي. وبعد يوم من العمل أرجع وقد تأثرت بشكل أو بآخر ببعض التسريبات التي قد تخللت إلى أذنيَّ من تحت السماعة وعكرت من صفو مزاجي. وأظل طوال الطريق أحاول في رسم بسمة على ملامح وجهي، لتراها بناتي وزوجتي عند عودتي، وذلك بتذكر بعض المواقف السارة في حياتي وهي نادرة. على باب الشقة أقف وأستحضر الابتسامة المفتعلة التي كنت قد رسمتها وتلاشت، وأرن الجرس، فتفتح ابنتي الوسطي الباب، فأنحني لأقبلها وترى الابتسامة على وجهي، وأمد لها يديَّ، ولكنها لم تعرني اهتماما وسرعان ما تجري وتندس وسط أخواتها أمام التلفاز لتتابع معهن برامج الأطفال. أدخل غرفتي وأرتمي على السرير، ليس تعبا وارهاقا ولكن اكتئابا، وأسمع صوت الأواني التي تُغسل في المطبخ، وأشم رائحة الطبيخ الشهية التي تفوح منه، فزوجتي منهمكة في اعداد الطعام وتنظيف الشقة، وشهادة لله إنها طباخة ماهرة، والشقة في نظافتها كما الفندق. وعندما انتهت من اعداد المائدة استدعتني، وما أن جلست على المائدة إلا وجبرت بخاطرها وأثنيت على الطعام مما سرَّها، ولكن نظرا لأن ليس هناك شهية للطعام قمت سريعا، فلاحظت أن وجهها قد اعترته مسحة حزن وخيبة أمل. وبعد الغذاء تواصل البنات مشاهدة التلفاز، وأدخل أنا في عالمي الإفتراضي الفيسبوك، ويوم بعد يوم يزداد الشعور بالوحدة، ويشتد اطباقه على قلبي ويخنق بحبله عنقي. وفي هذا اليوم قررت أن أذهب وأجلس وسط بناتي وأكسر حاجز العزلة الذي شيدته أجهزة التكنولوجيا الحديثة، وبالفعل ذهبت وجلست وسطهن ولكنهن لم يشعرن بوجودي لاندماجهن مع ما يعرضه التلفاز من برامج الأطفال. فأغمضت عينيَّ وعدت مضطرا إلى ظلام وحدتي، وبعد فترة سمعت صخب وضجيج حولي وأيادي تعبث في شعري وأفواه تقبلني، ففتحت عينيَّ فإذ بالظلام ما زال موجودا، والأيادي والأفواه كانت لبناتي اللاتي أخيرا عرفنني وشعرن بي، ولكن للأسف لم يستمر هذا الوضع طويلا. ففجأة صدر صوت كالذي يصدره جماهير الملاعب عند تسجيل هدف (هيييييييييييه الكهربا جات) وبعدها ساد الصمت القاتل مرة أخرى، ورجعن إلى التلفاز ونسينني، ورجعت إلى الفيسبوك، وعادت حليمة لعادتها القديمة. قصة قصيرة على لساني د. ابراهيم النهر

فى محطة الرمل .. ماذا حدث ؟

فى محطة الرمل .. ماذا حدث ..؟













محطة الرمل ما أن تنتهي امتحانات أخر العام للمدارس بمراحلها المختلفة والجامعات، إلا وتبدأ محطة الرمل تكتظ بالزوار والمصيفين من شتى المحافظات بأزيائهم المختلفة وعاداتهم وتقالدهم ولهجاتهم المتباينة، ومع غروب الشمس تتلألأ الأضواء والذي يزيد وهجها وتألقها نسيم البحر، الذي ينعش الروح ويرفع المعنويات، وتري مجموعات الشباب وهم يتحدثون بصوت عالٍ ويمرحون ويتبادلون النكات والتعليقات ويضحكون ويضربون كفا بكف، ثم يدفعون أحدهم بهزار وتتعالى ضحكاتهم أكثر وأكثر. ثم تلمح فتاة محجبة تسير بخطوات جادة، وتحتضن ملفا بيدها اليمنى وتحمل في يدها اليسرى حقيبتها الصغيرة، وعيناها لا تفارق الأرض أمامها، ولا تعبأ بمناغشة بعض الشباب لها، وأخريات قد تناثر شعرهن وكأنه يعترض على قيود التصفيف، وهن يحملن في أيديهن كاسات الآيس كريم، وبدت مفاتنهن تتفلت من تحت الثياب. وعند أكشاك الجرائد يقف شاب نحيف، ونظارته السميكة تنم عن إنسان مثقف محب للكتب والقراءة. وتهب عليك بين الفينة والأخرى رائحة الفيشار، المنبعثة من أفران الفيشار، والتي يتهافت عليها وعلى ثلاجات الآيس كريم الأطفال والشباب من الجنسين. وعلى ناصية الشارع يقف عسكري المرور كالمايسترو الذي يعزف سيمفونية موسيقية وفرقته تعزف سيمفونية أخرى، وهو يلوح بيديه وتبدو عليه علامات الضجر بعد أن تعالت أصوات كلكسات السيارات اعتراضا على طول الانتظار، ثم يبدأ رتل السيارات بعد أن تفتح الإشارة مختلطا مع ضجيج الترام سواء القادم استعدادا للوقوف أو المغادر تأهبا للحركة. وعلى الجانب الآخر يتزاحم المصيفون بشورتات البحر على مطاعم الفول والفلافل مصطفين لأخذ دورهم أمام الكاشير، وما أن يأخذوا الكوبون إلا ويتجهون به إلى معد السندوتشات، والذي يلتقط الكوبون في حركة شبه آلية ودون أن ينظر إليهم، ويعد لهم السندوتشات ويضعها في كيس شفاف ويدفع بها إليهم في سرعة متناهية. وتقع عينك على عجوز شمطاء تعبر الشارع وهي تحمل طفلا عاجزا قاصدة المستشفي الجامعي، وهي تتمتم بعبارات لا يعلمها إلا الله، وآخر يفترش الرصيف ويتسول الناس، وكأن هذه المحطة هي مختصر وملخص للحياة، ففيها يجتمع الأغنياء والفقراء ولكنهم لا يمتزجان، كالإناء الذي يجمع الماء والزيت، يظل الزيت مكونا للطبقة العليا ويظل الماء في القاع يحمله ولا يمتزجان. وإذا ركبت الترام ستقع عينك حتما ولابد على ملصق من الملصقات أو إعلان من الإعلانات من أمثلة علاج البواسير بالأعشاب بدون جراحة أو ألم! أو إعلان عن علاج بالأعشاب لانقاص الوزن بمقدار عشرة كيلوجرامات في أسبوع! وأنت في هذا الخضم ستلقي عليك بائعة المناديل علبة مناديل وهي تشتكي سوء معيشتها ومرض زوجها. وعند نزولك ستجد على سور المحطة شغابيط بخط عبيط الذكرى الخالدة وقلبين وسهم وحرفين A. 
د. ابراهيم النهر