ماذا علمني أبي؟
جلست يوما أتذكر، ماذا علمني هذا الرجل الذي يُدعى أبي؟ فلم أجد شيئا مميزا علمه لي إلا الاعتماد على النفس وتحمل المسئولية والثقة بالنفس.
لا شك أنه كان من مشجعي التعليم، فأذكر له وأنا في أولى إبتدائي، أنه كتب لي رقما بالآلاف ووعدني لو قرأته سيشتري لي ساعة يد، فلما قرأته طبطب على ظهري وقبلني من جبيني وربَّت على كتفي وعبث بشعري ومدحني وأثنى عليّ.
وفي الصباح ذهبت إلى المدرسة وعند عودتي وجدته ينادي عليّ أقبل أقبل فجريت إليه فأخرج من جيبه علبة وقال هذا ما وعدتك به أمس، فالتقطها منه وأنا أهلل ساعة ساعة ساعة واحتضنته وقبلته، وفتحت العلبة فإذ بساعة چوڤان مينتها زرقاء، وأخذ يعلمني فيها ولبستها وذهبت معه إلى الغيط وأنا مشمرا عن ذراعي الأيسر وواضعه على صدري، وأريد أن يراها العالم كله، وقد كان العالم بالنسبة لي في ذاك السن أهل عزبتي.
وثاني يوم لبستها وذهبت إلى المدرسة وأنا طائرا من الفرحة وأضرب حماري وأهز بعنف رجليَّ أُحثه على السير بسرعة، ليرى زملائي ساعتي، وأنا أشعر بنفس الشعور والإحساس الذي كان ينتابنا ليلة وصباح أول يوم في الدراسة من الرغبة في ارتداء الملابس الجديدة ويراك زملاؤك بها، وعندما وصلت إلتف حولي زملائي وبعض المدرسين ليتفرجوا على ساعتي ويستأذنونني أن يضعوها بأيديهم دقائق.
ولكن للأسف لم أفرح بها كثيرا، ففي نفس اليوم كان عندنا حصة ألعاب وخلعتها حفاظا عليها ووضعتها في حقيبتي وبعد أن انتهت الحصة أسرعت إلى حقيبتي فلم أجد الساعة، واختفى اللص بين التلاميذ وكأن براءة الطفولة غير كافية لكي لا يكون من بينهم لصوص، اختفى تماما كما يختفي اللصوص ذوي اللحى والمسابح بين صفوف المسبحين الآن، مما جعلني أجزم أنه داء له جينات تُوَرَّث، ولكنهم إن خدعوا عدالة الأرض فهناك عدالة أخرى لا يفلت منها أحد.
وانطفأت فرحتي ورجعت أجر أذيال الحزن والخوف، حزينا على ضياعها وخائفا من عقاب أبي، ولكن أبي خيَّب ظني وقال لي (فداك)، وكانت هذه الكلمة بمثابة هدية أخرى أثمن وأغلى عندي من الهدية الأولى.
ومن مظاهر حرص أبي على تعليمي أيضا أنه كان يعزم ناظر المدرسة والمدرسين على الغداء يوما في العام ويذهب لهم ب(دوقتهم) مما يزرع من بطيخ وسوداني، وكان يذهب كل شهر إلى المدرسة ليتفقد أحوالي وخصوصا في السنوات الأولى، ولكنه لم يكن أبدا في صفي فدائما ما كان يوصي المدرسين بضربي إذا قصرت أو أهملت في دروسي.
نرجع إلى موضوعنا، كيف علمني أبي تحمل المسئولية والثقة بالنفس؟
كان يجلسني معه في مجالسه ويشركني في حديثه ويعرفني على ضيوفه ويفسح لي المجال إذا أردت الحديث بالاصغاء الجيد وابدائه الاستفادة مما أقول بادعائه أن ما أقوله جديدا بالنسبة له ولا يعرفه من قبل، فكانت الثقة بالنفس.
وكنت كلما جلست معه يحدثني عن ديونه وهمومه ومشاكله، حتى إنني كنت أتمنى أن أكبر وأحمل عن كاهله كل ما يؤلمه، وكنت أقتصد في متطلباتي لكي لا أرهقه، فكنت أبري قلمي حتى يفنى عن أخره، وعند كتابة الواجب أُصَغّر خطي حتى تكفيني الكراسة أكبر فترة ممكنة، وهو لا يشعر بذلك ولكنه غرسه فيّ دون أن يدري، صرت شابا في هيئة طفل.
فلم يقل لي يوما ذاكر بل كان يقول (اللي يذاكر يذاكر لنفسه)، وفي الثانوية العامة كان ينام ويصحو فيجدني أذاكر فيقول(كفاية كدا نام)، بارك الله في عمره وأعانني على بره، فقد أوصلني إلى درجة من تحمل المسئولية أصبح هو نفسه مشفقا عليّ منها.
د. ابراهيم النهر

أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد
ردحذفخالص تحياتي