التعود ... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر ماذا حدث له عند إلتحاقه بكلية الطب ورؤيته لجثث الموتى في المشرحة لأول مرة في حياته وكيف تعود على هذا المشهد بعد ذلك؟
التعود
كنت أخاف من لون الدم لدرجة إنني لو رأيت طائرا مذبوحا
لا آكل من لحمه، ولو رأيت جرحا ينزف أشعر بدوران وخفقان في ضربات قلبي، وكنت أتعجب ممن يرى الميت، وكان من عادات الريف إعداد موائد للغداء والعشاء والذهاب بها إلى بيت الميت لمدة ثلاثة أيام متتالية، وكنت لا آكل من لحوم هذه الموائد، فقد كان يخيل إليّ أن لها علاقة بلحم الميت.
إلى أن إلتحقت بكلية الطب ولم يخطر ببالي لحظة أن كل تعاملاتي ستكون مع المرضى والجرحى والموتى.
وفي أول يوم في الكلية بل قل أول ساعة كانت مجموعتي عندها سيكشن تشريح وذهبنا إلى المشرحة وكانت المفاجأة ملايات بيضاء تغطي شيئا ما تحتها، ولم أتوقع أبدا أنها جثث موتى فعندما أخبرني أحد الزملاء أنها جثة أصابني الفزع وهرولت بعيدا فوجدت جثة أخرى أمامي فارتبكت وشعرت بدوران وفقدت الوعي وعندما أفقت وجدتني موصولا بجهاز يصدر أصواتا وزملائي من حولي يقولون الحمد لله فاق، وبعدها قررت أن أحول من كلية الطب إلى الصيدلة.
ولكن بفضل نصائح طلبة سادسة طب والذين أقنعوني بأن أستمر في الطب حيث الرسالة السامية وستتعود مع الوقت على هذه المناظر، وبالفعل استمريت وتعودت بل وتعاملت مع الجثث، وكان ذلك في أول إمتحان تشريح ولكني بعد أن انتهيت من الإمتحان وتذكرت ما فعلت، غسلت يدي عشر مرات بالماء والصابون، وليس لي رغبة في الطعام والشراب وكلما قربت يدي من أنفي أشم رائحة الفورمالين، وظل هذا الإحساس لعدة أسابيع.
وفي يوم مسك زميل لسان الجثة وقال ”باين عليه كان لسانه طويل“ ولسوء حظه بل أراه لحسن حظه سمعه الأستاذ ووبخه وأعطاه درسا في الدين والأخلاق.
ولكني أتسأل لماذا لا يكون هناك هياكل للشرح عليها حفاظا على حرمة الميت؟ هل لضيق ذات اليد وإننا بلد فقير؟! أم لأن الإنسان عندنا رخيص ولا قيمة له؟
وفي سنة رابعة وفي راوند الباطنة وكانت حالة الدرس تليف كبدي وتضخم بالطحال بسبب البلهارسيا مما أدي إلى إرتفاع في ضغط الوريد البابي (الطحال المصري وكابوت ميدوسا) Bilharzial hepatosplenomegaly, portal hypertension and capute medusa
وكأنك تري بطنا منفوخة جدا وبها تعرجات زرقاء حول السرة وتخرج منها رأسا صغيرة وذراعين ورجلين رفيعتين جدا، فالحمد لله على نعمة الصحة حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وعافانا الله وإياكم، فلم أتحمل بشاعة المنظر وأغمى عليّ للمرة الثانية ووقعت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية (vasovagal attack) وتم نقلى إلى المستشفى وقاموا بتركيب محاليل.
ومع كثرة تكرار مثل هذه الحالات تعودت على رؤيتها ولكن ظل تأثري بها وتألمي وحزني عليها ثابتا لم يتغير إن لم يكن قد زاد.
د. إبراهيم النهر
التعود
كنت أخاف من لون الدم لدرجة إنني لو رأيت طائرا مذبوحا
لا آكل من لحمه، ولو رأيت جرحا ينزف أشعر بدوران وخفقان في ضربات قلبي، وكنت أتعجب ممن يرى الميت، وكان من عادات الريف إعداد موائد للغداء والعشاء والذهاب بها إلى بيت الميت لمدة ثلاثة أيام متتالية، وكنت لا آكل من لحوم هذه الموائد، فقد كان يخيل إليّ أن لها علاقة بلحم الميت.
إلى أن إلتحقت بكلية الطب ولم يخطر ببالي لحظة أن كل تعاملاتي ستكون مع المرضى والجرحى والموتى.
وفي أول يوم في الكلية بل قل أول ساعة كانت مجموعتي عندها سيكشن تشريح وذهبنا إلى المشرحة وكانت المفاجأة ملايات بيضاء تغطي شيئا ما تحتها، ولم أتوقع أبدا أنها جثث موتى فعندما أخبرني أحد الزملاء أنها جثة أصابني الفزع وهرولت بعيدا فوجدت جثة أخرى أمامي فارتبكت وشعرت بدوران وفقدت الوعي وعندما أفقت وجدتني موصولا بجهاز يصدر أصواتا وزملائي من حولي يقولون الحمد لله فاق، وبعدها قررت أن أحول من كلية الطب إلى الصيدلة.
ولكن بفضل نصائح طلبة سادسة طب والذين أقنعوني بأن أستمر في الطب حيث الرسالة السامية وستتعود مع الوقت على هذه المناظر، وبالفعل استمريت وتعودت بل وتعاملت مع الجثث، وكان ذلك في أول إمتحان تشريح ولكني بعد أن انتهيت من الإمتحان وتذكرت ما فعلت، غسلت يدي عشر مرات بالماء والصابون، وليس لي رغبة في الطعام والشراب وكلما قربت يدي من أنفي أشم رائحة الفورمالين، وظل هذا الإحساس لعدة أسابيع.
وفي يوم مسك زميل لسان الجثة وقال ”باين عليه كان لسانه طويل“ ولسوء حظه بل أراه لحسن حظه سمعه الأستاذ ووبخه وأعطاه درسا في الدين والأخلاق.
ولكني أتسأل لماذا لا يكون هناك هياكل للشرح عليها حفاظا على حرمة الميت؟ هل لضيق ذات اليد وإننا بلد فقير؟! أم لأن الإنسان عندنا رخيص ولا قيمة له؟
وفي سنة رابعة وفي راوند الباطنة وكانت حالة الدرس تليف كبدي وتضخم بالطحال بسبب البلهارسيا مما أدي إلى إرتفاع في ضغط الوريد البابي (الطحال المصري وكابوت ميدوسا) Bilharzial hepatosplenomegaly, portal hypertension and capute medusa
وكأنك تري بطنا منفوخة جدا وبها تعرجات زرقاء حول السرة وتخرج منها رأسا صغيرة وذراعين ورجلين رفيعتين جدا، فالحمد لله على نعمة الصحة حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وعافانا الله وإياكم، فلم أتحمل بشاعة المنظر وأغمى عليّ للمرة الثانية ووقعت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية (vasovagal attack) وتم نقلى إلى المستشفى وقاموا بتركيب محاليل.
ومع كثرة تكرار مثل هذه الحالات تعودت على رؤيتها ولكن ظل تأثري بها وتألمي وحزني عليها ثابتا لم يتغير إن لم يكن قد زاد.
د. إبراهيم النهر
أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد
ردحذفخالص تحياتي