ما بين الترعة والبيسين .... قصة تبحر بك بين ثنايات الماضي وحياة الريف بقلم دكتور ابراهيم النهر
ما بين الترعة والبيسين
أيام الصيف وفي وقت القيلولة وأشعة الشمس الحارقة، وفي الأفق وعلى مرمى البصر كنا نرى خيالات متحركة، وكنا عندما نسأل عنها أباءنا يقولون (غنم إبليس)، وهي في الحقيقة إنعكاس لأشعة الشمس بعد إرتفاع درجة حرارة الرمال إرتفاعا شديدا.
كانت بيوت القرية مستسلمة تماما لسهام الشمس، فالشوارع خالية ولا تكاد تسمع صوتا إلا صوت هؤلاء الصبية الذين يسبحون في الترعة التي تتوسط هذه القرية بعد أن يقفزوا من على جزع النخلة والذي يضعونه جسرا يربط بين شقي القرية.
هذه الترعة كانت بحر مصيفهم وحمام سباحتهم، ففيها يغسلون عرقهم وأدرانهم ويلعبون ويمرحون مع أقرانهم وهذا أسما أمنياتهم لو أباؤهم سمحوا لهم بها.
والآن أصبح منهم من يرتدي البدلة ورابطة العنق ويركب السيارات الفارهة ويشغل المناصب ويصيف في الساحل الشمالي ويشتي في شرم وقد يكون لديه حمام سباحة (بيسين) في ڤلته، وهذا جميل.
ولكن القبيح والعيب هو أن ينسوا أصلهم وأهلهم الطيبين، الذين يفتخرون بهم وعندما يرونهم في بعض المناسبات، يهللون ويهتفون ويأخذونهم بالأحضان، ولا يدرون هؤلاء الطيبون أن من يفتخرون بهم يحضرون هذه المناسبات على مضض ويُنَفِّضون أيديهم وملابسهم بعد السلام عليهم ويتأففون من أحضانهم.
العيب كل العيب أن ينسوا الترعة التي كانت مصيفهم وحمام سباحتهم، أن ينسوا أصحاب طفولتهم لمجرد أن أيديهم خشنة وأقدامهم مشققة، وقد يكون من خشنت أيديهم وتشققت أقدامهم هم من جعلهم الله سببا في نعومة أيدي هؤلاء وأرجلهم.
والأدهى والأمر لو كان من يفتخرون به طبيبا، فكان من الأحرى به أن يعالج أمراضهم وخصوصا البلهارسيا التي أكلت أكبادهم بسبب الترعة التي كانت حمام سباحته وسباحتهم ولكن مَنّ الله عليه وأصبح من أصحاب البيسين، لا أن يتبرأ ويخجل منهم، فما تعلم إلا بهم ولهم.
د. ابراهيم النهر
أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد
ردحذفخالص تحياتي