أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

أهواكِ

أهواكِ
أهواكِ
توأم روحي جفاءً كفاكِ...
قلبي لن يهوى خلودا سواكِ
لعمرى ما عشق الفؤاد غيركِ....
ولا لحظة العقل نساكِ
أنت التي أحييتيني وبعدها....
لماذا تسقيني السم يداكِ؟
غرستك نبتا نضيرا بقلبي....
وتركتيني نبتا ذابلا برباكِ
لماذا الهجر؟! والعمر ثواني....
نضيعه في الخصام ورجاكِ
ليت الليالي تجمعنا ليتها.....
وتلثمني بشوق حبيبتي شفتاكِ
وأُلصِق دورق المفاتن بصدري....
فيُعتق بين الضلوع معذبا بجفاكِ
د. ابراهيم مصري النهر

بائعو الأوهام

بائعو الأوهام
بينما أتفحص مريض على سرير الكشف، جاءتني مكالمة تليفونية، مددت يدي ولمست شاشة الجوال لأكتم الصوت حتى لا يشوش عليَّ أثناء قياس الضغط.
بعد أن أنهيت الفحص ونزل المريض من على سرير الكشف وجلس على الكرسي المقابل لمكتبي، رن الجوال مرة أخرى، نظرت فإذ به نفس الرقم، استأذنت المريض في الرد على الهاتف، ربما يكون مريضا يستنجد بي.
ضغطت على الدائرة الخضراء لأفتح الخط ووضعت الهاتف على أذني فسمعت صوتا بلهجة ريفية خام لم تعهدها أذني من قبل، تأكل حروفا وتمط أخرى ومحملة بكم هائل من العفوية والسذاجة.
فحوى المكالمة إنه من قرية نائية في مركز إطسا محافظة الفيوم، أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يخرج من كردون قريته يوما ما، ومن كان يقوم بادارة شؤونهم أخوه الأكبر وسافر للعمل بالسعودية، هو من أعطاه رقمي وأخبره أن يتصل بي ويخبرني بهذا السر وسيجد فيَّ الأخ وأكثر.
سألته، وما السر؟
أجاب، وجدت أمس بالصدفة أثناء حفري بالحقل مقبرة آثار.

من هنا اتضح لي اتجاه بوصلة المكالمة، قلت له ممكن تعاود الاتصال بعد ساعة لأني مشغول الآن، كنوع من الخروج التكتيكي من المكالمة.

أغلقت الخط بالضغط بحنق على الدائرة الحمراء، وبوجه ممتعض من هذه المكالمة الحمقى التى لا طائل من ورائها ولا فائدة لها تُذكر، والتفت إلى المريض الذي تناثرت إلى أذنيه بعض الكلمات، وبوجه مبتسم وخفة دم المصري الساخر قال مازحا:(ايه يا دكتور حضرتك بتَّاجر ف الآثار من ورانا) وضحك وضحكت وتعالت الضحكات وبسط كفه فصافحتها بقوة محدثة صوتا مدويا عم المكان.

مرت ساعة وساعتان ولم يتصل وكدت أنسى ما حدث، في طريق العودة رن الهاتف، أخرجته من جيب الجاكت، يا للهول تقريبا إنه نفس الرقم، أخره أربعتان غالبا هو، بل بالتأكيد إنه هو هذا المعتوه.
متردد، أفتح عليه أم لا، سأفتح عليه وأسمع باقي الحكاية، لن أخسر شيئا، فتحت عليه وبعد  السلامات والتحيات أكمل سرد حكايته قائلا: إنه أثناء حفره في الحقل اصطدم معوله بشئ ما وارتد عليه، تتبع هذا الشئ وجده زلعة مليئة بقطع من الذهب وهذا غيض من فيض، فالأمر ليس مقصورا على هذه الزلعة، بل مقبرة مليئة بتماثيل الذهب والبازلت (وإن كانت الزلعة تكفي)، وأخذ يستجديني ويستعطفني بلهجته الريفية أن أساعده ولا أتركه، وكرر هذا الإتصال مرات عديدة حتى أنه بكى في إحداها بكاءً حارًا، وكل ما يصبو إليه أن أُسَوِّقها له ولي النصف.

لا أخفيكم سرا لقد سال لعابي وأخذت أحلم أحلام اليقظة، أحلم بتحقيق الخمسة عين التي قالوا إن الأطباء يحققونها ما دام الطب فشل في تحقيقها، ومع كثرة إلحاحه وتوسُّله قررت السفر بعدما طرحت ظنوني جانبا.
في يوم جمعة وبعد صلاة الفجر اصطحبت أخي وتوكلنا على الله، ألهث خلف سراب ظننته ماءً، في الطريق أنظر من نافذة السيارة على الأفق البعيد ويأخذني الحلم لأحلق في عنان السماء، ألْتَفِت إلى أخي وأقول له ”معقولة“؟
فيرد (ليه لأّه! مش بعيدة على الله!)!
فيبعث فيَّ الأمل مرة أخرى، وكلما أوشكت على الإفاقة من هذا الوهم يعطيني أخي جرعة مخدر أخرى بهذه الجملة.

وصلنا الفيوم وعقارب الساعة تشير إلى العاشرة، والتي بدت لنا كواحة خضراء منخفضة تشرف عليها الهضاب من جميع الجهات.
المكان المتفق أن نتقابل عنده سد اللاهون، أثر فرعوني مهمل، لو حظي بقليل من الإهتمام لأصبح مزارا سياحيا لكثير من السياح.
بمجرد أن وصلنا وجدنا شابا يرتدي تي شيرت أحمر ونظارة شمس سوداء ويركب دراجة نارية، عرفنا بنفسه ثم أردف قائلا: إن ابن عمه طلب منه أن يقابلنا وينقلنا إليه على أننا ضيوفه من البحيرة، ركبنا ثلاثتنا على الدراجة النارية واتجهنا صوب الصحراء، قطعنا شوطا كبيرا ما بين مرتفعات ومنحدرات ومنعطفات في طريق غير مأهولة، ونحن نترنح على ظهر الدراجة يمنة ويسرة، في أخر المطاف وصلنا أمام بيت مهجور يجاوره عدد قليل من البيوت المتناثرة، أظن أنها غير مسكونة وأعدت خصيصا لمثل هذه المقابلات، وما أن توقفنا إلا وخرج رجلان من البيت طول بعرض وأنيقان في المظهر (يعرفان الكفت)، وذلك يتنافى تماما مع الصوت الريفي الذي كنت أسمعه في المكالمة، وبدأ الشك يتسرب إلى النفس، سلَّمنا عليهما ودخلنا البيت وجلست منتظرا أن يستنهضنا أحدهما للصلاة، لكن ذلك لم يحدث فطلبت منهما أن نتوضأ ونذهب إلى الجامع لصلاة الجمعة أخبروني أنه لا يوجد جامع قريب وعليك أن تصلي في البيت، وبالفعل صليت بالبيت، وكان أول القصيدة كفرا كما يقولون.

بعد الصلاة أردت أن أفتح الموضوع لنخرجا بسلام من هذا الفخ، لكنهما رفضا الكلام قبل أن نتناول الفطار ليكون عيشا وملحا، وبالفعل فطرنا واحتسينا الشاي.
ثم قال أحدهم للآخر قم وألقي نظرة حول البيت وأحضر الأمانة، ذهب وبعد قليل جاء يحمل شيكارة على ظهره، يبدو من طريقة حمله لها أنها ثقيلة، قام جليسنا وساعده في وضعها أمامنا وأخذ يُخرِج منها تماثيل بلون الذهب وبأحجام مختلفة، وصندوقا أثريا ممتليء بعملات ذهبية، وبينما نحن مسبهلين من المنظر، قال أحدهم هذا قليل من كثير وهناك أيضا تماثيل من البازلت وجاء بواحد منها.
أراد أخي أن يختبر قطعة البازلت، أظنه قد انبهر وبدأ يتفاعل مع هذا الفلم الهندي، نظرت إليه بطرف عيني فأظنه قد فهم ما أرنو إليه، وكان كل ما يشغلني أن نخرجا من هذا المكان سالمَين.
سألتهما ما المطلوب منا، قالا تدفعا لنا خمسين ألفا وتأخذا آثارا بقيمة مائة ألف أول مرة، وبعد ذلك تأخذا وتبيعا ثم بعد ذلك تسددا وبنصف القيمة وهكذا، فقلت لهما معتبرا أن هذا الإتفاق فرصة ذهبية بالنسبة لنا ومُوبِّخا لهما أنهما لم يخبراني بذلك كنت أحضرت معي مائة ألف وأخذت بمائتي ألف معي هذه المرة فخير البر عاجله وأظهرت تأسفي المزيف على ملامح وجهي، واتفقنا معهما على أننا سنحضر المبلغ ونأتيا غدا أو بعد غد، وانصرفنا وهما على أمل أن نأتياهما ثانية.

استقلينا الدراجة مرة أخرى عائدَين نجرا أذيال الخيبة، عائدَين مع اختلاف المشاعر من الأمل إلى خيبة الأمل، ومن التحليق في سماء الأحلام إلى الهبوط على أرض الواقع، وإن كنا لم نخسرا كثيرا فقد رأينا أماكن أثرية، وتعلمنا دراسا قلما تجده في الكتب.
ويظل الغنى السريع حلم يراود الجميع مما يجعلنا عرضة للنصب والاحتيال من معدومي الضمير وبائعي الوهم.
د. ابراهيم مصري النهر

ڤيروس سي

ڤيروس سي
ڤيروس سي
شاب مجتهد، من أسرة متعلمة وميسورة الحال، والده على درجة وكيل وزارة في وزارة الزراعة، ووالدته مديرة مدرسة اعدادي، انعكس أثر هذه البيئة على أسلوبه ومظهره بدرجة كبيرة.
ذو هيبة ووقار، صوته منخض مع نبرة جادة على خلفية ابتسامة رقيقة، لا يبدأ حديثه إلا بكلمة حضرتك، والنهاية ب أشكرك.
كل أمله أن يكون طبيبا، يخفف من آهات المرضى، وخصوصا الفقراء منهم، الذين يعجزون أحيانا عن دفع قيمة الكشف فضلا عن ثمن وصفة العلاج.

لكن سفينة الثانوية لم تأتي رياحها بما تشتهيه نفسه، بفارق طفيف ساقه التنسيق إلى كلية العلوم، واختار شعبة بيولوجي، وحصل منها على البكالوريوس بتقدير جيد جدا، هذا التفوق أحيا بداخله الرغبة الدفينة، وتحقيق أمله الذي تحطم على صخرة تنسيق الثانوية العامة في الإلتحاق بكلية الطب.

ببكالوريوس العلوم بتقدير جيد جدا التحق بالفرقة الثالثة بكلية الطب، سكن في غرفة بجواري، ودخل يوما غرفته وأوصد بابها ومرت الساعات وجن الليل ولم تُضاء مما أثار قلقي عليه وفضولي لأعرف ماذا حدث له؟!
فربما يكون مريضا، وخصوصا أنها لم تكن عادته، طرقت الباب أكثر من مرة، بعدها سمعت جلبة داخل الحجرة وصوت متهدج ”حاضر“
بعد دقائق فُتح الباب، لأجده يكفكف من دموعه ليخفيها،
سألته ما بك، فأجاب (لا مفيش تعبان شويه) بنبرة حنجرة أنهكها البكاء.
ألححت عليه فانفرط عقد حزنه قائلا: لقد خطبت بنت صديق أبي التي أحببتها من كل قلبي، وأراها هي أيضا تبادلني هذا الحب وأكثر، وصمت مليا،،،،،،،،
ثم أردف قائلا: اليوم..............وانخرط ينهنه وانهمرت دموعه وتفصد جبينه عرقا، ثم أكمل؛ ذهبت إلى حملة التبرع بالدم في الكلية، وعاد ينهنه مرة أخرى ولكن بصوت أعلى ودموع أغزر .......
وقفت بجانبه مكتوف الأيدي عاجزا، لا أملك إلا بعض كلمات المواساة، من قبيل ”اجمد، خليك راجل، استعن بالله .....“

بعد فترة أخذ نحيبه يخبو شيئا فشيئا، ويتمالك نفسه، ويستجمع قواه التي خارت، وبصوت متقطع يقطر حزنا قال: أنا مصاب بالفيروس الكبدي الوبائي سي، ولم يكن هناك علاج له بعد، واستطرد قائلا: لست حزينا من الابتلاء، لكن في حيرة من أمري، أأصارح خطيبتي وربما أفتقدها، أم أُخفي عنها وأكن قد خنتها؟
نصحته بأن يصارحها، وبالفعل صارحها، وآثر أهلها فسخ الخطوبة رغما عن أنفها.
تعافى من صدمته وأكمل دراسته وتخصص في أمراض الكبد والجهاز الهضمي، وعُولِج وشُفِي من مرضه، وأصبح طبيبا مشهورا يُشار إليه بالبنان، وتزوج من غيرها وأنجب البنين والبنات، وماتت هي قبل أن تتزوج بسرطان الدم.
د. ابراهيم مصري النهر

سرنجات الأنسولين

سرنجات الأنسولين
سرنجات الأنسولين
صوت طرقات واهنة، باب الغرفة يفتح بهدوء تام، ظهر من خلفه سواد امرأة، بدت لي في الستينات من عمرها.

أنا قابع في ذات الغرفة خلف مكتبي على كرسي مستدير له أرجل متحركة، وأرتدي معطفي الأبيض المعتاد.

جلسَتْ بصعوبة على الكرسي المقابل لمكتبي بعد أن أسندت يدها إلى حافة المكتب.
-سألتها عن عمرها...
تفاجأت بإجابتها... 
خلعت نظارتي وقمت بفرك عينيَّ جيدا، نظفت عدستيها الزجاجيتين وأعدتها لعلي أتأكد من صحة ما قالت.....
تقول إنها في الأربعينات من عمرها، لم تكن تكذب، لكنه المرض الذي سلب منها شبابها وجمالها.
وكما يقولون عمر المرأة كما يبدو عليها لا كما تقول شهادة ميلادها.
تبادلت معها النكت والضحكات لأخفي عنها آثار صدمتي، حتى لا تشعر أني ظننتها أكبر من ذلك بكثير فأزيدها غما فوق مرضها.
-سألتها إن كانت تُعالج من أمراض مزمنة، أجابت بثغر يخلو من سنَّين أماميين، مبدلةً سينها بثاء "الثكر“.

تشكو من صعوبة في التنفس، ودوخة شديدة، وتنميلا في أطرافها، وتشعر دائما بالجوع والعطش، وتتبول كثيرا.

قست لها السكر العشوائي فوجدته عاليا جدا، لففت من خلف مكتبي مسرعا، لا غرو فناقوس الخطر يدق منذرا بقرب حدوث كارثة، ركبت كانيولا في أوردة ساعدها وحقنت بها قربة محلول ملح، وطلبت من مساعدتي في العيادة ”التومرجية“ أن تعطيها أربعين وحدة من أنسولين ميكستارد مائة، وبعد أن انتهى التقطير الوريدي الذي استغرق قرابة الساعة، وبدأت انفراجة تحسن في أعراض المريضة، عادت إلى بيتها برفقة ابنها الذي قد تعرَّفت عليه يومها وتبادلنا رقمي جواَّلينا.

وفي أخر اليوم وأثناء مراجعة الحالات مع التومرجية كعادتي كل يوم، أسترجع شريط الحالات بمواقفها سواء الخطيرة منها أو المضحكة، وكان من أخطر حالات ذاك اليوم هذه المريضة.  

عندما سألتها عنها،أخبرتني أنها أول مرة تحقن الأنسولين لمريض....
لم تكن ممرضة ولم تدرس علم التمريض، كانت كعامة الناس لا تعرف الفرق بين المعقم والنظيف، لا تعرف أن المناديل الورقية نظيفة وليست معقمة، وأن الماء الذي نحل به بدرة المضاد الحيوي نظيف وليس معقم.

-سألتها بما إنك أول مرة تتعاملين مع الأنسولين، اشرحي لي ماذا فعلتي؟
-قالت: سحبت سرنجة أنسولين كاملة ووخزتها تحت الجلد. 
الْتَفَتُ إليها مفزوعا وكأني مضروب بسوط، من هول ما سمعت.
قائلا بصوت أجش ومن قال لكِ سرنجة كاملة؟!
قالت: حضرتك قلت أربعين وحدة، والأربعون وحدة كانوا سرنجة كاملة.
نهضت مسرعا وأنا أصرخ؛ لا وقت الآن لأشرح لكِ الخطأ الجثيم الذي وقعتِ فيه، وجل همي وشغلي الشاغل هو التواصل مع ابن المريضة أو الوصول إلى بيتهم  في أسرع وقت ممكن.
أخذت أدق على جوال ابنها ولحظي العاثر كان غير متاح في كل مرة، مما زادني قلقا وتوترا وجعلني أظن أن الحالة أُصيبت بغيبوبة هبوط السكر.
وأنا في هذا البحر من الحيرة والاضطراب، أخبرتني التومرجية والتي كانت ترتعد خوفا واضطرابا بالعدوى مني إنها تعرف بيت المريضة، فرافقتني وخرجنا بسرعة للذهاب إليها، جلست على مقود السيارة وانطلقت أسابق الريح ولا أعبأ بمطبات الطريق الترابي الذي لم تألفه إطارات السيارات، وبعد أن قطعنا مسافة ما بين المنعطفات والمطبات وصلنا لبيت الحالة، الذين أصابهم شئ من القلق والذعر عند رؤيتي، لكني هدأت من روعهم وأبلغتهم أن هناك خطأ ما قد حدث، لقد أعطينا للمريضة جرعة أنسولين أكثر من اللازم، فوجب علينا أن نأتي ونطمئن عليها ونصلح الخطأ، بأن تشرب المريضة كوبا من الماء المحلى بالسكر حتى لا تدخل في غيبوبة هبوط.

وبالفعل عندما قست السكر وجدته قد انخفض بشكل ملحوظ وأوشكت الحالة على الدخول في غيبوبة هبوط سكر.
فحمدت الله واعتذرت للأهل على هذا الخطأ غير المقصود، وتقبل الأهل عذري وشكروني على الأهتمام.

وفي طريق العودة شرحت للتومرجية الخطأ الذي وقعت فيه، وأنها أعطت مائة وحدة من الأنسولين وليس أربعون كما أبلغتها، وهذا الخطأ قد شارك فيه الصيدلي بصرفه أنسولين مائة وسرنجات أربعين.
فالأنسولين المائة يصرف معه سرنجات مائة، والأنسولين الأربعون يصرف معه سرنجات أربعين.
د. ابراهيم مصري النهر

واحد أبريل

واحد أبريل
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، ما قرأت إعلان عن مسابقة عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، أدفع به ما ينتابني من خجل  كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر يوما ما، في الحقيقة الذي يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.

مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف، بدأ اليأس من الحصول على وظيفة يتسرب إلى خلجات النفس، وبدأت أفيق من خمرة أحلام الشباب الوردية بعد اصطدام شديد بصخرة الواقع.

بدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليالي في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد اشتريتها بالشئ الفلاني، كنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، استوقفني وسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، أجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي وحماس الشباب الذي يغلي في دمي ظننتها تثبيطا وتيئيسا، كنت غِرا لا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، قال وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم  أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.

بدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم مشمس استيقظت مبكرا وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت إلى أن جاء المساء، شربت أربعة كئوس شاي وحجرين معسل.

في طريق عودتي إلى البيت مرهقا ومحبطا، اصطدمت بعبد الفتاح صديقي القديم على ناصية الشارع، عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
لم يمهلني وقبل أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
قال: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك التي أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
قلت: بجد..!! لا لا..!! أنت تمزح.......!!
قال: بجد وها هي الجريدة.
قلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد فقدت الأمل في الوظيفة الحكومية، واحتضنته وقبَّلته.

كانت بداخلي رغبة خفية وجارفة أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، لكني كنت ما زلت في الشارع.
عدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراني أنا عاوز أخدكوا في أحضاني.......»
فتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، سأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، بدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، الغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.

وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كما أفعل كل ليلة، كانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم مصري النهر

الشرود



الشرود
الشرود
.
.
هادئ الطبع، قليل الكلام، محب للعزلة، وإن كنت لا أغيب عن المناسبات الاجتماعية، شارد الذهن، شرودا لم أختره ولا جُبرت عليه، شرودا بالسليقة، فمنذ نعومة أظافري لاحظ والداي هذا، تقول أمي عني كنت في طفولتي كثير التأمل، كثير السؤال والاستفسار عما أرى، وأجهدها بكثرة أسئلتي ولا أتركها حتي تعجز عن الإجابة.
نَمَتْ هذه الصفة معي واستفحلت وصارت مُركَّبة ومعقدة، شرود بصري فيما يدور حولي، يخفي في باطنه شرودا آخر أشد عمقا وأقوى أثرا، شرودا في دروب المستقبل مطموسة المعالم، في هموم الحاضر وجراح الماضي.

الطيبون من الأهل والأقارب والجيران يرجعون ذلك إلى كثرة المذاكرة والعلم، وبيني وبين نفسي أسخر منهم وأُومئ برأسي وأنا أتمتم دعهم مخدوعين.
كلَّفني هذا الشرود الكثير، ففي سنة الإمتياز في مستشفيات جامعة الإسكندرية، استقليت من بلدتي قبل غروب الشمس الحافلة المتجهة إلى تلك المدينة القابعة على شاطئ المتوسط وينادونها بعروسه، كنت نوباتجيا في هذه الليلة، ركبت في مكاني المفضل بجوار النافذة، حيث التربة الخصبة للخلوة الذهنية والشرود مع أعمدة التليفون وأسلاكها، ومشهد الشفق واحتضار الشمس وسط بركة من الدماء، وأسراب الطيور المُعزِّية على خلفية من السحب السوداء المتناثرة في أرجاء السماء، في مشهد تراجيدي مهيب، إنه الغروب الآتي لا محالة.
وفي خضم هذا الزخم من توارد الخيال واكتظاظ الذهن به والضياع في أزقة الشرود المتشابكة والمتشابهة، تفاجأت بوخزة في جنبي بكوع من بجواري قطعت حبل شرودي مصحوبة ب ”الأجرة يا أستاذ“.
لا أراه لجأ إلى استخدام كوعه إلا بعدما فشل في تنبيهي بصوته، شرود واندماج وصل إلى حد الغياب التام عن العالم المحيط.
أخرجت حافظتي العامرة بالنقود وبها بطاقتي الشخصية، دفعت إليه الأجرة وتركتهم يتجادلون كالعادة حول الفكة والباقي، ورجعت مسرعا لأستكمل شرودي.
نبهني إلى مكان نزولي صوت السائق ”أول الكبري اللي نازل“، لملمت على عجل شرودي واستعددت للنزول.
عند أول كوبري محرم بيه توقف السائق وهو يستعجلنا بقوله ”بسرعة يا جماعة اللي نازل“ فأبواق السيارات التي خلفه تحثه على المسير.
وما أن قفزت خارج الميكروباص حتى جر أحد الركاب الباب مُوصِدا إياه، وانطلقوا....
أفاقني هواء البحر الخريفي البارد من شرودي وعاد بي إلى أرض الواقع، بدأت أبحث عن الحافظة، في جيوب البنطلون تارة وجيب القميص تارة أخرى، أخرجت الجيوب إلى الخارج وكأني أبحث عن إبرة قد اندست في التعاريج، التفت حولي، أنظر خلفي، أبصر تحت قدميَّ بعد أن أرفعها في حركات بهلوانية سريعة، أخيرا تذكرت أنها كانت في يدي، فتحتها ونظرت فيها فلم أجد شيئا، أيقنت وقتها أنها فُقِدت.
خيم الهم والحزن على قلبي وأخذا ينخرانِه بسوسهما الشرس،  وانهلت على النفس جلدا، ألومها وأعنفها، كثيرا ما نصحتها بالتركيز فلم تكترث، كنت أبتغي شراء سويتر بهذا المبلغ الذي جمعته بعد عناء. 
ترجلت من كوبري محرم بيه إلى مستشفى الميري أترنح ألما وحزنا، لا أدري ماذا أفعل، كيف سأقضي ليلتي ضامر البطن، كيف سأعود في الغد وليس معي أجرة الطريق، ممن أستلف بعض المال وليس معي زميل مقرب أو على الأقل أعرفه.
أفقت من شرود إلى شرود أشد وأخطر، شرود كاد أن يكلفني حياتي، فبينما أنا كذلك سمعت صوتا مدويا لاحتكاك إطارات سيارة بالرصيف على إثر ضعط سائقها على كابح السرعة وهو يصرخ بأعلى صوته "صحصح يا أستاذ، بطلوا الهباب اللي بتبلبعوه ده“
أثناء النوباتجية لاحظت زميلة فاضلة مسحة حزن اعترت وجهي، ودموع وهموم متجمعة خلف الجفون، مسحة ودموع وهموم لا يراها إلا إنسان وهبه الله عيونا بعدسات خاصة، عيونا تبصر المشاعر والأحاسيس وخدوش وكدمات النفس.

من ملامحي الحزينة وبحسها المرهف وبصيرة قلبها الثاقبة تأكَّدت أني تعرضت لحادث ما، وأصرت أن تعرف، حاولت أتهرب منها، لكن أمام إلحاحها انهرت وحكيت لها ما حدث.

أخذت تضحك وتضحك وتضحك.....
ثم قالت هون على نفسك، واصطحبتني إلى الكافيتريا، ابتعنا مولتو وبسكويتا واحتسينا شايا، كل ذلك كان بشرط أن يكون كل ما نشتري على حسابي مما أقرضتني من نقود.

وبدأشرود من نوع جديد.......
د. إبراهيم مصري النهر

حال الحبِّيبه زمان

حال الحبِّيبه زمان
 حال الحبِّيبه زمان 
 بمجردغروب الشمس يغسل شعره تحت الطرومبة بالصابونة الغسيل، التي تزيده خشونة وتجعله أكثر تليفا، بعد أن يترجَّى أخيه الأصغر ويَعِدَهُ بأن يعطيه شلنًا ليطمبر عليه، وبسرعة يمشطه مبللا ليثبت، لم يكن يعرف الجل أو الكريم، ثم يرتدي الثوب الذي على الحبل ويضع من قارورة برڤان برائحة الفزلين، ويتعجل أخته لتضع مائدة العشاء، تنظر إليه نظرة ماكرة بعين ونصف، وتقول له (أنا عرفاك متظبرق ومستعجل ليه)، يخطو نحوها وهو يزمجر بعبارات الغضب، تهدده بأبيه فيهدأ ويرجع يستعطفها ويسترضيها.

بعد العشاء يتسحب وبدون أن يشعر به أحد يحمل التسجيل وشرائط الكاسيت وقلبه يسبقه وقدماه تطوي الأرض طيَّا إلى بيت ليلى، لا ينسى أن يمر في طريقه على الدكان ليتحمل باللب وأقراص الحلوى الحمصية والسمسمية التى كانت تحبها ليلاه.

هناك يطرق الباب وقلبه يشرئب من عينيه ليرى ليلى عندما تفتح الباب، يتخيلها وهي تدندن بأغنية فايزة أحمد (ياما الأمر ع الباب)، فإذ بأم ليلى هي التي تفتح الباب وتخبره بأن أبا ليلى يُفرِّد شتلة الأرز وفي انتظارك هناك وستأتيكم ليلى بالشاي،  وتأخذ منه اللب والحلوى.
وينصرف محبطا يجر أذيال الخيبة والحسرة، عند الغيط يخلع ثيابه ويغوص في الطين ويبدأ في صفع أصداغه وقفاه ليقتل الناموس، أو ربما يكون تأديبا لنفسه ومتخذا الناموس ذريعة..... !
بعد أن يغدو أشعث أغبر تأتي ليلى بالشاي وهي تأكل أقراص الحلوى، وتتسلى باللب وتصب الشاي، وجبين قيس يتصبب عرقا وملابسه تتصبب وحلا.
يجري لتشغيل الكاسيت ليُسْمِعَها أخر ما غنّى عوض المالكي في الحب (خيشه ولندا عفاره وليلى وأشحت بشكاره)، لكن نقيق الضفادع يحول دون ذلك.
هكذا كان حال المحب زمان، وعلى قدر حبه تكون تضحيته، وتحمله للدغ الناموس وعصا أبيه المتربص له عند عودته فجرا خلف باب الدار.
د. ابراهيم مصري النهر

سرنجات الأنسولين

سرنجات الأنسولين
سرنجات الأنسولين
صوت طرقات واهنة، باب الغرفة يفتح بهدوء تام، بدأ يبدو من خلفه سواد امرأة، بدت لي في الستينات من عمرها.

أنا قابع في ذات الغرفة خلف مكتبي على كرسي مستدير له أرجل متحركة، وأرتدي معطفي الأبيض المعتاد.

جلسَتْ بصعوبة على الكرسي المقابل لمكتبي بعد أن أسندت بيدها على حافة المكتب.
-سألتها عن عمرها...
تفاجأت بإجابتها...
خلعت نظارتي وقمت بفرك عينيَّ جيدا، نظفت عدستيها الزجاجيتين وأعدتها لعلي أتأكد من صحة ما قالت.....
تقول إنها في الأربعينات من عمرها، لم تكن تكذب، لكنه المرض الذي سلب منها شبابها وجمالها.
وكما يقولون عمر المرأة كما يبدو عليها لا كما تقول شهادة ميلادها.
تبادلت معها النكت والضحكات لأخفي عنها آثار صدمتي، حتى لا تشعر أني ظننتها أكبر من ذلك بكثير.
-سألتها إن كانت تُعالج من أمراض مزمنة، أجابت بثغر يخلو من سنَّين أماميين، مبدلةً سينها بثاء "الثكر“.

تشكو من صعوبة في التنفس، ودوخة شديدة، وتنميلا في أطرافها، وتشعر دائما بالجوع والعطش، وتتبول كثيرا.

قست لها السكر العشوائي فوجدته عالٍ جدا، لففت من خلف مكتبي مسرعا، لا غرو فناقوس الخطر يدق منذرا بقرب حدوث كارثة، ركبت كانيولا في أوردة ساعدها وحقنت بها قربة محلول ملح، وطلبت من مساعدتي في العيادة ”التومرجية“ أن تعطيها أربعين وحدة من أنسولين ميكستارد مائة، وبعد أن انتهى التقطير الوريدي الذي استغرق قرابة الساعة، وبدأت انفراجة تحسن في أعراض المريضة، عادت إلى بيتها برفقة ابنها الذي قد تعرَّفت عليه يومها وتبادلنا رقمي جواَّلينا.

وفي أخر اليوم وأثناء مراجعة الحالات مع التومرجية كعادتي كل يوم، أسترجع شريط الحالات بمواقفها سواء الخطيرة منها أو المضحكة، وكان من أخطر حالات ذاك اليوم هذه المريضة. 

عندما سألتها عنها،أخبرتني أنها أول مرة تحقن الأنسولين لمريض....
لم تكن ممرضة ولم تدرس علم التمريض، كانت كعامة الناس لا تعرف الفرق بين المعقم والنظيف، لا تعرف أن المناديل الورقية نظيفة وليست معقمة، وأن الماء الذي نحل به بدرة المضاد الحيوي نظيف وليس معقم.

-سألتها بما إنك أول مرة تتعاملين مع الأنسولين، اشرحي لي ماذا فعلتي؟
-قالت: سحبت سرنجة أنسولين كاملة ووخزتها تحت الجلد.
الْتَفَتُ إليها مفزوعا وكأني مضروب بسوط، من هول ما سمعت.
قائلا بصوت أجش ومن قال لكِ سرنجة كاملة؟!
قالت: حضرتك قلت أربعين وحدة، والأربعون وحدة كانوا سرنجة كاملة.
نهضت مسرعا وأنا أصرخ؛ لا وقت الآن لأشرح لكِ الخطأ الجثيم الذي وقعتِ فيه، وكان جل همي وشغلي الشاغل هو التواصل مع ابن المريضة أو الوصول إلى بيتهم  في أسرع وقت ممكن.
أخذت أدق على جوال ابنها والذي كان غير متاحا في كل مرة، مما كان يزيدني قلقا وتوترا وجعلني أظن أن الحالة أُصيبت بغيبوبة هبوط السكر.
ولحسن الحظ كانت التومرجية تعرف بيت الحالة، فرافقتني وخرجنا بسرعة للذهاب إليها، جلست على مقود السيارة وانطلقت أسابق الريح ولا أعبأ بمطبات الطريق الترابي الذي لم تألفه إطارات السيارات، وبعد أن قطعنا مسافة ما بين المنعطفات والمطبات وصلنا لبيت الحالة، الذين أصابهم شئ من القلق والذعر عند رؤيتي، لكني هدأت من روعهم وأبلغتهم أن هناك خطأ قد حدث، لقد أعطينا للمريضة جرعة أنسولين أكثر من اللازم، فوجب علينا أن نأتي ونطمئن عليها ونصلح الخطأ، بأن تشرب المريضة كوبا من الماء المحلى بالسكر حتى لا تدخل في غيبوبة هبوط.

وبالفعل عندما قست السكر وجدته قد انخفض بشكل ملحوظ وأوشكت الحالة على الدخول في غيبوبة هبوط سكر.
فحمدت الله واعتذرت للأهل على هذا الخطأ غير المقصود، وتقبل الأهل عذري وشكروني على الأهتمام.
وفي طريق العودة شرحت للتومرجية الخطأ الذي وقعت فيه، وأنها أعطت مائة وحدة من الأنسولين وليس أربعون كما أبلغتها، وهذا الخطأ قد شارك فيه الصيدلي بصرفه أنسولين مائة وسرنجات أربعين.
فالأنسولين المائة يصرف معه سرنجات مائة، والأنسولين الأربعين يصرف معه سرنجات أربعين.
د. ابراهيم مصري النهر

ضي القمر


ضي القمر
في ليالي الصيف القمرية وأمام بيتنا، كان الآباء يفترشون الرمال الذهبية والمحببة والتي لا تلتصق بالملابس، ولا تتسخ الأيدي لو عبثت بها وهم يلعبون السيجة، وتحت الريح يشعلون النار في حزمة الحطب التي جمعوها، وعندما تخبو وتصير جمرا يقومون بوضع براد الشاي وحوله أكواز الذرة بعد أن يزيلوا غلافها، ويبدأ دوي أصوات فرقعة بعض حباتها ودخان ورائحة الذرة المشوية تفوح وكأنها دخان مطعم مشويات، وعلى إثرها تهل الوفود من المارة والجيران ليشاركوا في هذه الوليمة التي دعاهم إليها صوت الفرقعة والرائحة الجذابة، فلم تكن هناك حواجز وكلفة وحرج بين الجيران، فقد كنا نقصدهم ويقصدوننا في عود ثقاب أو ”عبار“ سكر و”تلقيمة“ شاي وأحيانا رغيف خبز.

ويحتسون جميعا الشاي وهم يأكلون الذرة ويدلو كل منهم بدلوه في أمور الحياة، وبالقرب منهم تجلس النساء منتظرات نصيبهن من الشواء.
   
ونحن بجوارهم بالشورت والفانلة، تارة نصنع أكواما من الرمال وتارة أخرى نحفر حفرة بأيدينا ونردم أحدنا فيها حتى عنقه ونتركه يُخرِج نفسه بعد أن نُوثِق يديه خلف ظهره، وعندما نُجْهَد تماما تأتي فقرة الرسم والكتابة على الرمل.

وفي كل ذلك كان يصاحبنا خيالنا من ضي القمر، وفجأة خفت نور القمر واختفى الخيال، فقامت فتاة مسرعة باحضار طشتا وملعقتين وقامت بالطرق على قعره، والأخريات قمن بالتصفيق والغناء، فركضنا إليهن لنستفسر منهن عما حدث، فأخبرننا أن بنات الحور قد خنقن القمر، ووجب علينا أن نطبل ونغني ونهلل ونطلب منهن أن يتركن القمر وإلا أماتنه.
وبعد فترة من الطبل والغناء والتهليل تركت بنات الحور عنق القمر وعاد الضوء، هكذا كنا نظن.
لنعلم بعد ذلك أنه كان خسوفا للقمر وما كان يجب علينا فعله هو الصلاة والدعاء لا الطبل والغناء.
.د ابراهيم مصري النهر

حبيب العمر

حبيب العمر
حبيب العمر
يا حبيب العمر عمري انقضى
يوما بعد يوم في حبك قد مضى
لكنك لو لحظة تبادليني حبي
سيعود عمري أضعاف ما انقضى
كم من حسناء يا ربي تهواني
والقلب يأبى أن يقايضا
وأهديكِ حبي مرة ومرة
وألف مرة ويا قاسي ترفضا
لِمَ نصيبي من رؤياك نادر
كنصيب ليل من برق يومضا؟!
انتظرتك وحيدا وسأنتظر
مادمت فتيا بل مادام قلبي ينبضا
سأنتظرك تعودين بالأمل
وأتوج بك مفرقي ولو كان أبيضا
أهواكِ يا بدر السما أهواكِ
وهواكِ عليَّ أمرٌ يُفرضا
بحبكِ عليل وبالحشا لوعة
وأُشفى إن أنال منكِ الرضا
بأعماقي حبكِ مكين وما قبله
لم يكن أو كان شيئا عارضا
يا ويل فتاكِ يا ويله
هالك إذا لم تكن الممرضا
كحَّل مقلتيك سحر وجمالكِ
الجمال يستعطفه أن يُقرضا
حبيبتي سامحيني حبك طغى
فباحت عيناي وما كان يُقتضا
وما باحت لكنهم رأوا
طيفك في الأحداق يركضا
د. ابراهيم النهر

القطار

القطار
القطار
كنت أول مرة أركب القطار بعد إلتحاقي بالجامعة وكنت جديد عهد بهذه الوسيلة وما بها من زحام وتكدس على الأبواب وبالداخل أقفاص الطيور وصينيات الجبن وكروانات الزبد التي تمتلئ بها الأرفف، وبالقرب من رأسك أحذية الأرجل المدلاة لساكني أرفف الأمتعة.
ومما هوَّن عليّ هذا الزحام برودة الجو فقد كنا في شهر طوبة، وكان هذا الجو وما به من عتمة دخان السجائر وزفير غير المدخنين يشعرك بالدفء ويغنيك عن فرك اليدين ببعضهما والنفخ فيهما. 
وما كان يؤذيني ليس كل هذه الملوثات سواء من دخان السجائر أو رائحة الجبن والزبد أو رائحة السمك حيث قفف الصيادين فقد كنت محتملا لكل ذلك، ولكن الذي كان يؤذيني هو التلوث السمعي حيث الألفاظ النابية والخناقات التي لا تنتهي، وتوسلات المتسولين، وإلحاح بائعي القطارت الجائلين، وما يدهشك أن تجد في هذا الجو الملبد بالضوضاء من يغط في نوم عميق.

وبعد كل محطة تفاجأ بموجة بشرية وما يصحبها من توابع كضرب في الظهر بالأكواع ودوس على الأقدام، والغريب إنني لاحظت أنها نفس الأوجه ومما لاحظت أيضا أن هذه الموجة يتبعها وفي كل مرة الكمسري (موجة كمسرية)، وبما إنني كنت غِرا في ركوب القطارات فلم أكن أعرف أن هذه لغة متعارف عليها بين محترفي ركوب القطارات للتزويغ من قطع التذاكر، حيث أنهم يمشون أمام الكمسري وعند أول محطة ينزلون ويركبون من الباب الذي قد تجاوزه الكمسري، وهكذا دواليك حتى يصلون إلى محطة نزولهم الأخيرة، حيث أنهم قد نزلوا قرابة العشر مرات قبل هذا النزول وكل ذلك ليهربوا من دفع تذكرة قيمتها كانت لا تتجاوز الجنيهين، وهذا فصيل من راكبي القطار وهناك فصيل آخر لا يهربون من الكمسري فقط بل يهربون من خنقة القطار أيضا، فهؤلاء الذين يسطحون على القطار ويعرضون أنفسهم لخطر الموت من أجل أن يوفروا جنيها أو جنيهين، وهؤلاء يشبهون إلى حد كبير أولئك الذين يموتون في المراكب عبر البحار في رحلاتهم غير المشروعة.

وفي الصورة تجد أيضا فتاة تتعرض لتحرش لفظي وفي ظل سكوت المجاورين لها يزداد التحرش انحطاطا ليصل ذروته في صورة تحرش جسدي في تعدٍ سافر على العرف والدين، وعلى مرئ ومسمع أناس جبناء لا يستطيعون أن يحركوا ساكنا ولسان حالهم يقول (وأنا مالي مادام بعيدا عني خلاص) وهذا يذكرني بحكاية عن جحا أظن أنكم جميعا تعرفونها ولا داعي لذكرها لما فيها من تجاوز لخطوط وإطار الكتابة المسموح بها.

ألا يعلم هؤلاء الجبناء أن الساكت على الرذيلة مشارك فيها، وأن الله سبحانه وتعالى قد ذم بني إسرائيل وعذبهم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.

وفي مرة أخرى عُزِمت للركوب في الدرجة الأولى، فصُعِقت من شدة التباين فلا يوجد وجه للمقارنة أصلا مع أنه نفس القطار مع اختلاف العربة فقط، وجدت مقاعد تتحرك أجزاؤها حسب الوضع المريح لك، وحامل أمامك لوضع المشاريب (الساخنة والمثلجة) والسندوتشات، وتكييف الهواء، ومعطر الجو، وشاشة عرض، والجرائد اليومية، وأغلب هذه المقاعد خالية، وعلى بعد خطوات للخلف ترى أناسا، منهم من يسقط ضحايا الزحام على الأبواب أو التسطيح على القطار!!!

تماما كقطار المجتمع والمكون من عربتين، عربة العوام حيث الزحام والضرب والتحرش والتزويغ والتلوث بأنواعه والخنوع، وعربة البهوات والباشاوات حيث الرفاهية والسعادة والحياة الآدمية بما سرقوه من مال العوام، ومن المضحكات المبكيات أن العوام يظنون أن كله قطار ولا فرق بين عرباته، ومنهم من يقول كل منا سيصل لوجهته ولا فرق بين الدرجات، وأنا أقول لهم هناك فرق، وفرق شاسع بين الحالتين وقت الوصول، فمن يصل مفرهدا وملوثا سمعيا وبصريا وصحيا ليس كمن يصل بكامل حيويته وهندامه وأناقته...... وبصوت فؤاد المهندس (مش كدا وللا أيه)
د. ابراهيم مصري النهر

فضفضة طريق

فضفضة طريق
فضفضة طريق
وجدته في الصباح الباكر لأحد أيام الشتاء مرتديا بالطو خفير سقطت بعض أزرَّته، ربما  تصدق عليه به أحد الجيران، أو  يكون اشتراه من الباعة الجائلين الذين يبيعون المستعمل، وكان يحمل في يده صرة بها غداءه، رغيف خبز وقطعة جبن وبصلة، ومنتعلا حذاء من البلاستيك  تحمَّل بطين الطريق الذي خلفه المطر، وقد شمر ذيل ثوبه بيده الأخرى ويجتهد قدر المستطاع لتفادي بقع المياه التي امتلأ بها الطريق، وأظنه لم يسمع صوت السيارة،  كان يغطي رأسه وأذنيه ب كوفية  ورثها عن أبيه، ولكني لم أستخدم آلة التنبيه مخافة أن يُفزع وينزلق في الطين، وعندما اقتربت منه أكثر سمع الصوت وأخلى الطريق منحرفا إلى اليمين.
بمحاذاته أوقفت السيارة، فنظر إليّ من خلف الزجاج الذي ما زالت بعض قطرات المطر عالقة به، وعلت ملامح وجهه التي شابتها التجاعيد ابتسامة، ملت إلى الجانب الآخر بجذعي وجذبت الأوكرا، ربما لا يعرف كيف يفتح الباب، وما أن فتحت الباب حتى أخذ لسانه يلهج بعبارات الشكر والثناء والمديح والدعاء لي، ويعتذر عن عدم الركوب بحجة أن ما يحمله حذاؤه من طين ستتسخ به السيارة، ومع إلحاحي عليه ركب بعد أن مسح حذاءه في عشبة جافة على حافة الطريق.
ودار بيننا حوار بدأْته بسؤال عن حاله، فاسترسل في حديث أدمى قلبي، وكأني أنا المتنفس الذي ينشده والحبل الذي أنهكه البحث عنه لينشر عليه همومه التي عطَّنت من كتمانها، وأنا أتأمل التجاعيد  التي غزت بلا هوادة ملامحه الجميلة وعينيه الغائرتين اللتين ما زالتا خضراوين تعكسان طيف قلبه وتحملان شيئا من براءة الطفولة، واستشعرت بقلبي ما ينوء به كاهله المحمل بجبال من الأعباء قد أحنت ظهره، وصدره الضائق بشكوى حبسها بداخله لعدم وجود من يفضفض معه.

أخذ يسرد عن الخفير والمُخبِر والمُحضَر والمُحصِّل الذين لم يرحموا باب داره من الطرق يوما، ثم انخرط في البكاء وكأن بركانا إنفجر، وهو ينهنه ويتمتم بعبارات توقظ الضمائر النائمة، قائلا: -لقد تركنا لهم الحكم والسلطة والمناصب والسياسية بغية أن يتركوا لنا أحذيتنا البالية وأثوابنا المرقعة، أن يتركوا لنا رغيف الخبز وعود الفجل وقطعة الجبن والبصلة، لكن لا فائدة، لا مكان لأجير مثلي في هذا البلد، ونزل وهو يكررها ويبتعد شيئا فشيئا حتى اختفى خلف المطر.
د. إبراهيم مصري النهر

رسمت بيت

رسمت بيت
*****رسمت بيت*****

بكره رسمته برموش عينيك
رسمت نخلة رسمت وردة
رسمت بيت
ولونته بالسعاده والأمل
السعاده لونت بيها أيامنا
والأمل لونت بيه مستقبلنا
وياريت أكون وفيت
رسمت بيت
وزينته بورد خدك بلون شفايفك
بسواد عينيك
وفي الأخر تهجر وتأسى
وكل دا عشان بحبك
عشان بحبك هجرت وأسيت
رسمت بيت
الشمس رسمتها فكرك وعقلك
والقمر رسمته شئ من جمالك
والنجم رسمته علو مكانك
ودلالك رسمته قبة البيت
رسمت بيت
وفرشته ليكِ بالوفا والحنان
اوعاك تقولِ حبِك عليّ هان
ازاي يهون! ياريت
رسمت بيت
غزلت قلبي من ورق الشجر
وقلبك نحتيه من حجر
رسمت قلبي طير أخضر جميل
جوه قفص من حديد
القفص دا هو قلبك والدليل
حبست قلبي والجناح قصيت
 رسمت بيت
الربيع رسمته شجرة
والحب نسيم بيداعب ورقها
والفراشات على الزهور
عامله مظاهرة
ورافعه بالرقصات شعارها
 أتيت يا ربيع أتيت
رسمت بيت
الليل رسمته وِحدة وعذاب وشوق
وبعدك رسمته دموع وجراح وشوك
الشوك رسمته فرشي
والشوق دا جوه قلبي
والدموع راسمها عيني
والدم رسمته جرحي
والسما راسمها سودا
فيها نجم واحد بعيد
هوَّ أنتِ
ولو قلبتي الورقة يا عمري
تلاقي ليل تاني رسمته
ليل جمعنا
رسمته فرحة
رسمته فستان ابيض وطرحة
والشربات رسمته دمك
والشموع حروف اسمي جنب اسمك
وكسوفك رسمته حنة
لما بس ألمح بكلمة
ألاقي خدودك بيها تتحنى
لما أقول كلمة بحبك
لما أقول هويت
رسمت بيت
الزمن رسمته بحر
وحبنا رسمته سفينة
والخصام رسمته موج عالي
بيرغمنا نرجع ما مشينا
وكل ما يغفل زمنَّا عنا
وتقرب تتلامس ايدينا
تخاصم وتبعد
ومش بعيد تكون نسيت
رسمت بيت
منايا أكمله وأكون معاك
ونتعاهد
يا حبيبي نكمل ما بنيت
رسمت بيت

د. إبراهيم مصري النهر

مصر المصغرة

محطة الرمل وصورة مصغرة لحياة وطبقات المصريين الاجتماعية.
 مصر المصغرة
كان يوم عودتي إلى قريتي أيام دراستي بالجامعة كل أسبوعين من أسعد الأيام وأحبها إلى قلبي، حيث لقاء الأهل والأصحاب والأقارب، والذين لا يحلو لهم السمر والسهر إلا معي، وفي مندرة منزلنا البسيطة، والتي كانت تمتلئ عن أخرها، منهم من يريد ان يريني علاجا كتبه له أحد الأطباء، ومنهم من جاء لأقيس له الضغط، وآخرين جاءوا لا حاجة لهم إلا الجلوس معي ومعرفة أخباري.
وفي صباح يوم خميس وبعد أسبوعين بعيدا عن أهلي، حملت حقيبتي وتوجهت إلى الكلية لأحضر محاضرة ثم أطير بجناحي الشوق والحنين إلى قريتي، وما أن علمت بإلغاء المحاضرة لسفر المحاضر، إلا وانطلقت أسابق السيارات في الشارع إلى محطة مصر، وفي الطريق ممرت بمحطة الرمل، وهناك نسيت استعجالي ولهفتي إلى القرية، فقد استهواني واستوقفني جمال محطة الرمل، وسيمفونية أصوات عربات الترام القادمة والمغادرة، وأصوات أبواب المحلات الجر التي تفتح مبكرا، والوقت الأكبر كان من نصيب أكشاك بيع الجرائد والمجلات، حيث قضيت وقتا طويلا أتجول بين أغلفة المجلات، وعناوين الجرائد، ولفت مكوثي الطويل نظر بائع الجرائد، والذي أنشدني إلى مكان ضالتي بشارع النبي دانيال حيث بائعي الكتب والمجلات القديمة بأسعار بخيسة، وأخبرني أنه يمكنني أيضا استئجار بعض الكتب لأقرأها وأردها وأسترجع ثمنها.

وما شد انتباهي في هذا اليوم شديد البرودة ألسنة اللهب وحلقات الدخان المتصاعدة من فرن البطاطا بلونه الأسود من أثر الهباب والفحم والذي يعلو عربة يدفعها رجل بشرته بلون طمي النيل، وشارب وعمامة وجلباب بأكمام واسعة، والتي تنم عن مسقط رأسه صعيد مصر، وعلى فترات يفتح البائع باب الفرن ليتحسس أيهم استوت، ويغرز فيها سكينته ويستخرجها من الفرن، وكأنه يستخرج قطعة ألماظ ثمينة من منجم مجوهرات، ويشقها بسكينته ليظهر اللون الماروني البرتقالي للبطاطا المستوية، ويتصاعد دخان البخار من قطعة البطاطا المنبعجة ليكون سحابة من المذاق الخيالي، وتفوح رائحة البطاطا لتسكر القلوب وتسيل اللعاب، ويرفعها عاليا لتثير اهتمام المارة، وتزغلل عيون السائرين، ثم يلفها في ورقة جرنال، ويناولها للمشتري الذي يراقب بشغف خطواته وقد سال منه اللعاب.
وتوالت بعد ذلك زياراتي لمحطة الرمل، والتي تختلف تماما في الشتاء عنها في الصيف، ففي الشتاء تذكرك بشوارع المدن الأوروبية التي نراها في الأفلام الأجنبية، بعبق تاريخها وخلو شوارعها وغزارة أمطارها.
ما أن تنتهي امتحانات أخر العام للمدارس بمراحلها المختلفة والجامعات، إلا وتبدأ محطة الرمل تكتظ بالزوار والمصيفين من شتى المحافظات بأزيائهم المختلفة وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم المتباينة، ومع غروب الشمس تتلألأ الأضواء والذي يزيد وهجها وتألقها نسيم البحر، الذي ينعش الروح ويرفع المعنويات، وتري مجموعات الشباب وهم يتحدثون بصوت عالٍ ويمرحون ويتبادلون النكات والتعليقات ويضحكون ويضربون كفا بكف، ثم يدفعون أحدهم بهزار وتتعالى ضحكاتهم أكثر وأكثر.
ثم تلمح فتاة محجبة تسير بخطوات جادة، وتحتضن ملفا بيدها اليمنى وتحمل في يدها اليسرى حقيبتها الصغيرة، وعيناها لا تفارق الأرض أمامها، ولا تعبأ بمناغشة بعض الشباب لها، وأخريات قد تناثر شعرهن وكأنه يعترض على قيود التصفيف، وهن يحملن في أيديهن كاسات الآيس كريم، وبدت مفاتنهن تتفلت من تحت الثياب.
وعند أكشاك الجرائد يقف شاب نحيف، ونظارته السميكة تنم عن إنسان مثقف محب للكتب والقراءة.
وتهب عليك بين الفينة والأخرى رائحة الفيشار، المنبعثة من أفران الفيشار، والتي يتهافت عليها وعلى ثلاجات الآيس كريم الأطفال والشباب من الجنسين.
وعلى ناصية الشارع يقف عسكري المرور كالمايسترو الذي يعزف سيمفونية موسيقية وفرقته تعزف سيمفونية أخرى، وهو يلوح بيديه وتبدو عليه علامات الضجر بعد أن تعالت أصوات كلكسات السيارات اعتراضا على طول الانتظار، ثم يبدأ رتل السيارات بعد أن تفتح الإشارة مختلطا مع ضجيج الترام سواء القادم استعدادا للوقوف أو المغادر تأهبا للحركة.
وعلى الجانب الآخر يتزاحم المصيفون بشورتات البحر على مطاعم الفول والفلافل مصطفين لأخذ دورهم أمام الكاشير، وما أن يأخذوا الكوبون إلا ويتجهون به إلى معد السندوتشات، والذي يلتقط الكوبون في حركة شبه آلية ودون أن ينظر إليهم، ويعد لهم السندوتشات ويضعها في كيس شفاف ويدفع بها إليهم في سرعة متناهية.
وتقع عينك على عجوز شمطاء تعبر الشارع وهي تحمل طفلا عاجزا قاصدة المستشفي الجامعي، وهي تتمتم بعبارات لا يعلمها إلا الله، وتفاجأ بمن يفترش الرصيف بملابسه الرثة ويتسول الناس، وآخر يجلس بجوار التليتوار سعيدا على كرسي خشب بملابس ويدين قد اتسخت من ألوان الورنيش، ويتزاحم حوله الناس من موظفي الحكومة (الطبقة الوسطى التي تتلاشى شيئا فشيئا) لمسح وتلميح أحذيتهم، ولا يخلو المشهد من ناس مصر الطيبين بعفويتهم وملابسهم الريفية البسيطة وهم يسألون أحد المارة عن مستشفى الميري فقد جاءوا لأداء واجب عيادة جارهم المريض ويحملون في أيديهم أكياس الفاكهة وخيرات الريف.
وكأن هذه المحطة هي مختصر وملخص للحياة، ففيها يجتمع الأغنياء والفقراء ولكنهم لا يمتزجان، كالإناء الذي يجمع الماء والزيت، يظل الزيت مكونا للطبقة العليا ويظل الماء في القاع يحمله ولا يمتزجان.
وإذا ركبت الترام ستقع عينك حتما ولابد على ملصق من الملصقات أو إعلان من الإعلانات من أمثلة علاج البواسير بالأعشاب بدون جراحة أو ألم!
أو إعلان عن علاج بالأعشاب لانقاص الوزن بمقدار عشرة كيلوجرامات في أسبوع!
وأنت في هذا الخضم ستلقي عليك بائعة المناديل علبة مناديل وهي تشتكي سوء معيشتها ومرض زوجها.
وعند نزولك ستجد على سور المحطة شغابيط بخط عبيط الذكرى الخالدة وقلبين وسهم وحرفين A..
د. ابراهيم مصري النهر

كنت بحسب

كنت بحسب
......قبل منك....
قبل منك كنت بحسب
إني حبيت كتير
وماليش في الحب حظ
زي قيس بن الملوح وكثير
دالوقت بس بعد ما شفتك
..... عرفت.......
إن عمري ما حبيت إلا أنتِ
ولأول مرة ع الحب
أنا اتعرفت
لما شفته أنا ف عينيك
ف الشفايف ف الخدود
حسيت بقلبي م الفرح
عاوز يطير
وخفقان وتوهان
.... إحساس جميل....
والعرق بلل جبيني
والكلام من لساني فجأة اختفى
......اعذريني ...
..... أنا اتكهربت...
ولأول مرة ع الحب أنا اتعرفت
والنوم من ساعتها فارق جفوني
وبأنسى كتير
والقلم كمان عاجز عن التعبير
ملعون القلم
وآسف يا حبيبتي ع التقصير
د. ابراهيم مصري النهر

ندوب في جمال الذكريات

ندوب في جمال الذكريات
ندوب في جمال الذكريات
كنت صغيرا وقبل أن أدخل المدرسة، وكان من ألوان النذور المختلفة أن تنذر ليلة لوجه الله، كأن تقول لو رزقت ولدا أو شُفِيَ مريضا سأنذر ليلة لوجه الله، وكان النذر على رز بلبن أو لحم ومرق كلٌ حسب امكانياته أو كليهما وهناك من كان يفعلها كعادة سنوية كأبي.
وفيها كان يُدعا كل أهل العزبة للعشاء، ومن عادات البدو أنهم يتجاورون كعزوة ولا يسمحوا لغريب أن يعيش بينهم فكانت العزبة كلها اخوة وأبناء عمومة.
وكان من بين أبناء عمي ابن عم ولكنه في سن أبي وكان محبوبا من الجميع، وكان صاحب أبي الأنتيم، وكان له دورا كبيرا في إحياء هذه الليلة، فكان يفرش الدهليز بالحصير السمار ومع آذان المغرب يشعل الكلوب، وعندما يبدأ الجيران في التوافد إلى البيت يبدأ ابن عمي هذا في رص الأطباق على الطبالي (طبليتنا وطبالي الجيران المستعارة).

وعند وصول محييو الليلة بدفوفهم يتناولون اللحم بالفتة ويحتسون المرق ويمسحون شواربهم بأيديهم ويفركونها ببعضها فتلمع مع ضوء الكلوب، ثم يحتسون الشاي وهم يلفون أوراق بفرتهم، ويدعون بالبركة لصاحب البيت وألا يقطع الله له عادة.
ويشعل ابن عمي نارا لتدفئة الدفوف ثم تبدأ حلقة الذكر بما فيها من ضحك ومرح وخرافات وخزعبلات، فيقوم أحدهم بالوقوع على الأرض ويصدر أصواتا غريبة واللعاب يسيل من فمه، ويأتي كبيرهم لإفاقته ويقول لا بأس لا بأس لقد حضرت جلالته، وبعد أن يفيق يُفَرق الرز بلبن على الحاضرين ويُرش حصى الملح لإذهاب العين والحسد بزعمهم.

وفي الصباح يصطحبني أبي معه إلى الغيط وفي الطريق يسردان هو وابن عمي ما حدث بالليل ويضحكان، وكان ابن عمي هذا شابا وسيما خَلْقا وخُلُقا، وكل العزبة كانت تحبه لخفة ظله.
قد جاءه أكثر من طلب للتقدم للتجنيد ويتخلف، ولكنه في مرة من المرات قرر أن يتقدم لأداء الخدمة العسكرية، وسلم على الأهل والأقارب وودع الجميع، وبات ليلتها عندنا ومع بزوغ الفجر قبلني وقبَّل أبي مودعا ومتوجها إلى منطقة التجنيد ومنها تم ترحيله إلى مركز تدريب الأمن المركزي بالقاهرة، ومرت الأيام ولا نعرف عنه شيئا ولا نعرف له مكانا، إلى أن جاءت إشارة بعد خمسة وعشرين يوما إلى مركز الشرطة ومنها إلى عمودية القرية في ليلة سوداء متأخرا وطرقوا باب الدار بعنف ففزعنا واستيقظ أبي وهو يقول (خير اللهم اجعله خير) ولكنه لم يكن خيرا، كانت الإشارة مفادها أنه قد سقط مغشيا عليه أثناء التدريب ومات، وعلى أبيه وأعمامه الحضور لاستلام جثمانه.

كان خبرا كالصاعقة على قلوب أهل العزبة وعلى قلب كل من كان يعرفه، ورأيت أبي يبكي وينهنه كالطفل، وتضاربت الأقاويل حول سبب وفاته، ولكنه قد مات وترك فراغا كبيرا وحزنا دفينا في القلوب، فلقد ترك أبي بيتنا بدون أن يُبيض بالجير حتى هُدِم لأن ابن عمي هو الذي كان يبيضه بالجير ويرسم قلبا كبيرا ويكتب بداخله اسمه، واحتفظ بعلبة من الصفيح كنا نضع فيها السكر لأن ابن عمي قد كتب عليها اسمه كذكرى، وسمَّى أخي الأصغر باسمه.
إنه سعدالله سعيد ابراهيم النهر رحمه الله تعالى رحمة واسعة وغفر له واسكنه فسيح جناته، وأحسبه من شهداء الوطن ولا أُزكي على الله أحدا.

د. ابراهيم النهر

أريد الدليل

أريد الدليل
أريد الدليل
يا من ليس لها في الجمال مثيل ...
لو ترتدين تاج التدين إكليل
تصبحين به ملكة جمال الكون...
وأطمع أن أكون لك حليل
أما هكذا فكيف الوصول إليكِ؟...
كيف وقد لغّمتِ السبيل؟
فلا أرى الطريق إليكِ إلا ...
أشواكًا وأطفأت القناديل
أتسرِّين مقلتي وتضرين قلبي؟ ...
فلا مرحبًا بما قلبي به عليل
فأنت إن لم تضري حرة ً...
هكذا في الأمثال قيل
وكم من سرورٍ من سُرَّ به كثيرًا...
صار على يديه قتيل
ورأيُ الصديق فيك متعجبًا ...
ما دهاك يا أبو خليل؟
متعللًا بأن الطريق ليس طريقي...
ومن في غير طريقه مشى ضلِّيل
وبأني أنتظر من العصفور لبنًا...
ومن السراب ماءًا وذاك المستحيل
فيا من سواكِ الله جميلة ً...
على حبكِ أريد الدليل
ترتدين الحجاب لربكِ طاعةً...
وتجعلين اللين للعناد بديل
إن المحب لمن أحب مطيعٌ...
ولا يعصاه في كثيرٍ أو قليل
فليس التقدم في السفور...
بل التخلف ملة بني إسرائيل
والفتي يُعجبُ بالسافرة لاهيًا...
وعند الزواج إلى المحجبة يميل
والرجال ماءٌ يفسد راكده...
ويطيب منه ما جرى ويسيل
والغالي من النساء نفيسًا يُغلف...
والرخيص ما عنه الغلاف أُزيل
ارتدي تاج التدين تصبحين أميرةً...
ويرجوك من للملوك سليل
أتعصين الإله وأنت الملاك؟ ...
فماذا تركت للإنس الذليل؟
ليتك تقبلين النصيحة فتغنمي ...
حب الرسول ورضوان الجليل
وإن لم تقبليها ستندمي ...
ويكن مصير بصري المناديل
أبكيك وإن ذبلت عيوني وفاءًا...
والوفاء من شيم الأصيل
فقيس وليلى بالوفاء صارا...
قصةً خالدةً يعرفها كل جيل
والآن لك (    ) أن تقرري...
أأبقي أم حان وقت الرحيل؟
د. ابراهيم مصري النهر

أمة ترثي سلفها....

أمة ترثي سلفها
أمة ترثي سلفها

من ألم من حزن أبكي
على دمي الذي يُداس
من تمزق من ضعف أشكي
من هواني على الناس
اليهود هتكوا عرضي
وجردوني من اللباس
قوموا انهضوا أو موتوا
أليس عندكم إحساس!

أنا يا خير أمة أُخرجت
أمسيت جدارا بلا أساس
لقد كنت أيام الرسول
معظمة والجبين يُباس
فخفض الجبين بكم
وصرت عرضة للإفتراس
كانت خزائني ملآى
فلم يكن هناك إختلاس
كانت العزة ردائي
وتاج الصحابة ماس
فصرت محنية الرأس
وتاجي من نحاس

الصديق يحلب الشاة
بلا خدم ولا حرَّاس
وعمر يفترش الأرض
ويتخذ وسادا مداس
عمر الذي فتح القدس
ولم يبال لروما أجراس
وصلاح الذي طهر الأقصى
من دنس الصليب والأنجاس
كانوا بالنهار فرسانا
وبالليل رهبانا وقدَّاس

لما نسيتم في الردى أقصاكم
يلفظ أخر الأنفاس
رأيتموه مكبلا وتركتموه
أين الرجولة أين الحماس
أليس بينكم خالد أم بعده
عقمت وأعلنت الأفلاس
شتان بين أمسى وحاضري
وهل العملاق بالقزم يُقاس
د. ابراهيم مصري النهر

أبقراط.... قصة قصيرة من واقع حياة طبيب

أبقراط... قصة قصيرة من واقع حياة طبيب تم سردها بطريقة سلسة وممتعة ولغة عذبة.
أبقراط
بعد أن أنهيت سنة الامتياز في مستشفيات جامعة الأسكندرية، وتحقق الحلم الذي طالما حلمت به، وطالما خضت الصعاب من أجل الحصول عليه، وهو لقب طبيب.

عدت إلى قريتي لأستجم بعض الوقت، وأشبع من النظر إلى وجهها البهي، وأستمع إلى كلامها الندي، وأقبل رأسها ويدها، فكانت تجلس بجواري على مائدة الطعام التي أعدتها بيديها وهي تربت علي ظهري وتدعو لي بدوام النجاح والصحة.

وكنت أظن أني سأمكث باقي العمر بجوارها ولو شاءت تحت أقدامها، فكم أحن إلى حكاويها والتي طالما كانت تسردها لي كلما خلت بي، وما بها من مواعظ وعبر تشحذ الهمم وتحفز على الصبر على تحصيل العلم.
لكن إقامتي في بستان عطفها وكنف حنانها لم يدم طويلا كما كنت أتخيل وكأنه قد كُتب عليّ العيش بعيدا عنها، ولكنها وإن لم تكن تعيش بجواري وبالقرب مني فإني أعيش بداخلها وتعيش بداخلي وقد تشَبَّع دمي بحبها، وكيف لا؟ وهو في الأصل دمها ونبضها، إنها الأم يا سادة.

أيام قليلة وجاء قرار تكليفي بوحدة صحية ريفية بمحافظة كفر الشيخ، فحمدت الله إنه لم يكن بصحراء مطروح أو الوادي الجديد أو غيرها من المناطق النائية.

وفي الأسبوع الأول وفي الصباح الباكر لأحد الأيام استيقظت على طرق شديد على باب السكن، فقمت مفزوعا نحو الباب وقبل أن أغسل وجهي فلم يكن هناك فرصة لعمل مثل ذلك في ظل هذا الرزع والهبد المستمر على باب السكن المتهالك، وإلا لم يصمد أمام مطارقهم كثيرا، والذي في الغالب أنه قد تهالك بسبب أمثال هذه الهجمات الرعناء، من أمثال هؤلاء البشر الذين لا يراعون خصوصية الطبيب، ويتعاملون معه وكأنه كلأ مشاع وقتما طلبوه وجدوه.
فتحت الباب لأجد حشد بشري قد حجب الرؤية، ولم يتركوا لي فرصة للإستفسار، بسرعة غيرت ملابسي ونضحت وجهي بالماء ورجلت شعري في الطريق، وفي كبينة السيارة النصف نقل سألت كبيرهم الذي ركب بجواري، ما الموضوع؟
فأجابني: بصراحة يا دكتور الرجل تُوفِّي ولكننا لم نستطع أن نصارح أبناءه وأبناء أخيه بهذه الحقيقة لأنهم كما ترى يتصفون بالغشم، والمطلوب منك أن توصل لهم هذا الخبر باسلوبك.
فقلت له يا سلام، وأي اسلوب يجدي مع أمثال هؤلاء؟ الله يطمئنك، والله المستعان على ما تصفون.
وعندما وصلنا البيت، وجدت حشود كبيرة من الناس، يستعدون على خجل لمراسم المأتم وصوان العزاء، والنساء قد ارتدت الأسود وفي انتظار الإشارة لبدء اللطم والنياح، والذي سيعطي الإشارة لهذا البدء المحرم والمقيت هو السيد معالي الدكتور والذي يمثله أنا.
ولك أن تتخيل ما يشعر به طبيب في أول تعيينه وأمام أول حالة سيصدر حكمه عليها بالوفاة وما سيتبع هذا القرار من تداعيات، أو أن الحالة مازالت على قيد الحياة وما يتبع هذا القرار من تداعيات أخرى أيضا.
دخلت غرفة الحالة وسط نحيب البكاء وتوسلات بعدم الحكم بموته، وكأني _حاشا لله_ انا الذي أحيي وأميت، لأجد الحالة في غيبوبة تامة، ولكني عندما تحسست النبض وجدته مازال ينبض، ومن القصة تبين لي أنه مريض سكر من النوع الأول الذي يتم تنظيم سكره عن طريق الأنسولين.
فأخرجت جهاز قياس السكر وقست السكر فوجدته منخفضا جدا، فشخصت الحالة بأنها غيبوبة هبوط السكر بالدم سببها جرعة كبيرة من الأنسولين، أو جرعة أنسولين مضبوطة لم يتبعها وجبة طعام.
وتم التعامل مع الحالة باعطائها مائة مليلتر من محلول السكر المركز عن طريق الحقن الوريدي، والمثير في القصة أنه لم يمض إلا خمس دقائق من سريان المحلول إلا والمريض قد فاق افاقة تامة وجلس على حافة السرير ووضع رجلا على رجل وطلب من أحد ذويه أن يشعل له لفافة تبغ، وسط ذهول المعزِّيين أقصد الحاضرين، وصرت أنا أبقراط عندهم.

د. إبراهيم مصري النهر

ساعي البريد... والرسائل التي تنوء بحمل المشاعر والأخبار، والحنين إلى صوت جنزير دراجته

ساعي البريد.... والرسائل التي تنوء بحمل المشاعر والأخبار
ساعي البريد
دائما ما يراودنا الحنين إلى الماضي، ودائما ما نظن أنه كان أجمل وأفضل من الحاضر، فبرغم التقدم المذهل في وسائل الأتصال والمراسلة الحديثة التي غيّرت من ثقافات ونمط حياة الشعوب، إلا أنها قد أخفت في طياتها عمي ساعي البريد الذي في طريقه إلى الاندثار إن لم يكن قد اندثر كما اندثر الحمام الزاجل.
لم تعد الرسالة ورقة خلفيتها قلب وورد، مكتوبة بخط اليد، ويظهر من بين حروفها وانحناءات الخط ولون الحبر والتي لكل منها دلالتها شفتا المرسل وبقعة من دموعه، ورائحة عطره التي تفوح عند فتح الرسالة..............
حولتها الوسائل الحديثة إلى حروف حاسوب.

كنا ننتظر بلهفة سماع صوت جنزير دراجته الذي كنا نعرفه به، ونخرج من البيوت مهللين عمي ساعي البريد ناقل الأشواق وحامل الأسرار، يجوب شوارع وطرقات القرية بزيه الخاص وقبعته التي تحميه من حر الظهيرة صيفا ومن الأمطار في الشتاء، وحقيبته المعلقة في كتفه والتي تحمل أشواقا وأسرارا تنوء بها الجبال.
يقف عند بيوت أصحاب الرسائل التي قد اعتادت عليها دراجته، ويفتح حقيبته ويخرج مظروفا تتلقفه قلوبهم قبل أيديهم، ومن شدة فرحهم قد ينسون أن يعزموا عليه بكوب من الشاي أو على الأقل بشربة ماء بارد من القلة التي على سور البرنده.

وكم من أشواق دُفِنت، ورسائل كُتِبت ولم ترسل لغيابه، ولكنها ظلت ذكرى جميلة في غياهب ذكريات أصحابها.
د. ابراهيم النهر

التاج... إنه تاج ليس من الذهب بل مما هو أغلى من الذهب ألاف المرات

التاج
لقد كلل هامتي تاج
به عزيز وبه مهاب
تاج القراءة ارتديته فمن
الصغر يجالسني الكتاب
حتى أدمنته وصرت كلما
رأيت كتابا يسيل اللعاب
فإذا قضيت مع الكتب وقتا
لا تقل ضاع الشباب
بل ضاع الوقت الذي
لم تقضه معها ويُعاب
الكتاب إناء عُظِم شاربه
فمكارم الأخلاق الشراب
إناء طاب شرابه ففيه
العلوم أنواعا تُذاب
صاحب الكتاب تسمو
فدوما بالكتاب الشهاب
نعم الغذاء للعقل كتاب
ونعم للروح الخطاب
إقرأ فأول الوحي إقرأ
ففيها لكل سؤال جواب
مال قارون بجهل أفناه
أما العلم والمال فأحباب
فالمال بلا علم سقم
ويموت كعطشان السراب
والكتب عسل منها وسم
فانتقيها كما تُنتقى الصحاب
فلا يغرك منها القشور
ولكن يجذبك إليها اللباب
د. إبراهيم مصري النهر

البؤس..... في صورة أب مدمن وأم تتسول وطفل مأواه الشارع

البؤس..... في صورة أب مدمن وأم تتسول وطفل مأواه الشارع.
البؤس
طفل غائر العينين أشعث الشعر، يمسك عقلة قصب بيديه وأسنانه، قد أعطاها له أحد المارة، لم يغسل وجهه، فأثر النوم مازال يلصق جزءاً من رموشه ببعضها.
يرتدي بلوڤر قديما سوستته لا تعمل، ومهلهلا عليه، ويبدو وكأنه كان لأحد أكبر منه، أو تصدق به أحد الجيران عليه، وبنطلونا مقطوعا من على ركبتيه، حافي القدمين ويبدو عليهما أثر طين الشارع.
يطارده الذباب فمنه من يشاركه عقلة القصب ومنه من يتزاحم حول أنفه وعلى أثر القصب العالق حول فمه.
ويصحو أبيه عصرا والذي لم ينم إلا بعد بزوغ الفجر، ولكنه لم يكن نوباتجيا في عمل عام أو خاص من أجل أن يوفر حياة كريمة لهذا الطفل، بل كان يسكر ويتعاطى المخدرات.
فيضربه ويضربه فتسيل دموعه بلسان حال يقول بأي ذنب أُضرب، بأي ذنب أُحرم.
يسأله أين أمك؟
الباب يُطرق
فإذ بالأم مرتدية نقابا لتتسوَّل!

د. ابراهيم النهر

عم يحيى صانع الشاي على ضفاف النيل وتحت شجرة وارفة الأوراق في مدينة القاهرة .... وماذا حدث؟

عم يحيى صانع الشاي على ضفاف النيل وتحت شجرة وارفة الأوراق في مدينة القاهرة.... وماذا حدث؟
هذا ما ستعرفه في هذه القصة الواقعية القصيرة، والرسم بالكلمات للدكتور ابراهيم النهر.
عم يحيى
عم يحيى
يوم الخميس الموافق 2019/10/3 استيقظت مبكرا وبعد صلاة الفجر توجهت إلى القاهرة لانهاء بعض الاجراءات من مصلحة حكومية، وهناك وبعد أن وصلت بصعوبة بالغة إلى مقر المصلحة المعنية في تمام الساعة العاشرة صباحا، بعد تنقلات بين المترو وزحامة والميكروباص واستغلاله، وعند الدخول اعترضني فرد الأمن بسترته الزرقاء وأشرطة الكتف وسألني عن بغيتي فأخرجت له الأوراق التي معي، فنظر فيها وقال: معاد دخولك الساعة الواحدة وهو يدفع بالأوراق إليَّ ويشيح بوجهه إلى شخص آخر ليعترضه مثلما اعترضني، ولم أجد مفر إلا الانتظار للساعة الواحدة، فخرجت أتمشى لأجد مقهى قريبا فأحتسي فنجانا من القهوة أو كوبا من الشاي أو هما معا فالوقت مازال طويلا، ولكني لم أجد ما أبحث عنه، وبالصدفة وجدت شجرة ضخمة على النيل وارفة الأوراق وتحتها يجلس بعض الناس على مقاعد من البلاستيك، والبعض الأخر يفترش بعض أوراقه، ومنهم من يجلس على درابزين الشاطئ، وكلهم يلتفون حول طاهي الشاي، وهو رجل كبير فى السن ولكنه مازال يتمتع بصحته وحيويته، رفيع البنية، أسمر البشرة، ليس بالطويل ولا القصير، ابيضَّ شعر رأسه ولحيته وشاربه، يكسو وجهه ابتسامة رضا وقناعة قد لا تراها على وجوه أصحاب المليارات، يرتدي تي شيرت أبيض وبنطالون جينز أسود وكوتشي.

نظرت إلى عدته فوجدتها أكواب ورقية (سينجل يوس)، والماء في جرَّات بلاستيكية شفافة ويبدو من خلالها عذبا، والمكان من حوله نظيفا فقد أعد أكياسا لجمع الأكواب المستعملة.
فجلست على الدرابزين وقررت أن أشرب كوبا من الشاي من يد هذا الشيخ النظيف الحكيم ذو الذكاء الاجتماعي، والتي تبدَّت حكمته وذكاؤه لي من طريقة تعامله مع زبائنه، فلا تكاد تسمع صوتا عندما يأتي اليه الزبون ليطلب طلبه وكلهم من المنتظرين مثلي جاءوا من محافظات مختلفة، فلا ترى منه إلا إبتسامة عذبة مع جملة (شايك ايه).

أما فئة السائقين ومرتادي المكان والأوجه المليئة ب (البشل) فلا يسألهم عن مشروبهم بل يتقدمون ليصنعوه بأيديهم، وهذا أراه من أَجَلِّ صور حكمته وذكائه.
شربت الشاي بنسيم النيل المنعش وأنا أرقب هذا العجوز وهو بين الحين والآخر يتجول في المكان ليجمع القمامة، ويسكب ما تبقي في أكواب الماء عند جذع الشجرة.

لقد مكثت ثلاث ساعات من الوقت لم أشعر بها بفضل هذا الشيخ الذي أبهرني نشاطه وجماله وقناعته وقبل كل هذا حكمته وذكاؤه، واتقانه لعمله فقد احتسيت من يديه التي بلون طمي النيل فنجانا من القهوة لن أنس طعمه ما حييت،
فبارك الله في عمرك وعملك يا عم يحيى فقد كنت الجانب المضئ في هذا المشوار.
وفي تمام الساعة الواحدة أخرجت حافظة نقودي وأعطيت عم يحيى إجمالي حساب المشاريب، وذهبت مهرولا إلى مبنى المصلحة لأجد نفسي في مؤخرة طابور طويل، ليبدأ الجانب الآخر من المشوار.

تستيقظ مع بزوغ الفجر وتسافر مئات الكيلومترات إلى العاصمة حيث المصالح الحكومية المركزية لإنهاء مصلحة ما، وهناك وبعد أن تقف في طابور طويل أغلبهم من المدخنين، وبعد أن يتبادلك المتلقفون الانتهازيون من سائق تاكسي وصاحب كشك به ماكينة تصوير بجانب المصلحة وبنت في كانتين في ركن جانبي داخل المصلحة ترتدي المحزق والملزق وقد لونت وجهها بعلبة ألوان فلوماستر وقد أزالت حاجبيها وأبدلتهما بخطين أسودين تبيع الكنز وزجاجات المياه المعدنية بأسعار سياحية وتحت مظلة الحكومة، لتنتهي بعد كل هذا الاستنزاف النفسي والصحي والوقتي والمالي إلى كونتر موظف الإستقبال بزيه المعتاد قميص أزرق ورابطة عنق حمراء ومن أمامه شاشة الكمبيوتر وأصابعه تعبث بالماوث وأزرة الكيبورد، فتلقي عليه السلام وأنت تعطيه ما معك من أوراق من الفتحة المخصصة لذلك، ولا تدري إن كان قد رد عليك السلام أم لا، فهو لم يلتفت إليك أصلا، وبعد نظرة سريعة في الأوراق تجده ينظر إليك بقرف واشمئزاز ويطلب منك طلبا تعجيزيا ليس له إلا معنًا واحد وهو فوت علينا بكرة يا سيد، أو في ظل كاميرات المراقبة تضع له بين طيات ملف أوراقك ورقة من فئة المائة جنية، وتكتمل ضبابية المشهد في موقف عبود، عندما تجد عجزا في وسائل المواصلات أمام الأعداد الغفيرة من الركاب، ما يجعلك ترضخ لمضاعفة الأجرة ومضاعفة عدد ركاب السيارة.
د. ابراهيم مصري النهر

البشائر.... تحكي عن حياة الريف زمان والألفة والمحبة والتعاون في أعمال الحقل

البشائر... تحكي عن حياة الريف زمان والألفة والمحبة والتعاون في أعمال الحقل، تقرأ وكأنك ترى ذكريات الطفولة للدكتور ابراهيم النهر
البشائر
في أوائل يونيه وبعد آذان العصر وفي ظل شجرة على رأس الغيط، جلس الفلاحون بعد أن نادى بعضهم على بعض، لا أدري ليلتقطوا أنفاسهم أم ليلتقطوا أنفاسا من لفافات التبغ، وكان أحدهم بعيدا أو مندمجا في عمله فلم يسمع النداء، فوضع أحد الجالسين اصباعيه في فيه وأطلق صافرة قطعت عليه حبل اندماجه، فالتفت إليهم فأشاروا إليه بكوب الشاي الذي يحتسونه وهم يتجاذبون أطراف الحديث، فأتى إليهم مسرعا يتمتم.
كان الحديث عن البشائر، وهي كلمة تحمل كم هائل من الطمأنينة والتفاؤل وقرب حلول الخير، فكانوا يطلقون على أوائل ثمر الشمام (الأناناس) الناضجة البشائر ويتهادون بها.

وكانت ثمار الشمام الناضجة لا تحتاج إلى خبرة لمعرفتها حيث إنها تتغير تدريجيا من اللون الأخضر إلى اللون الأصفر ويبدأ عنقها في الإنفصال عنها، لتبدأ الأم في انضاج ثمرة أخرى وهكذا، في صورة مشابهة تماما للحبل السري للجنين، والذي ما أن يأتي طلق الولادة إلا وتبدأ المشيمة في الإنفصال عن الرحم، وما العجب في هذا التشابه إذا كان الخالق واحد سبحانه.
وكان عندما ينتصف يونيه وترتفع درجة حرارة الجو أكثر، يزداد عدد الثمار الناضجة فيحمل الفلاح مقطفا ليضع فيه الثمار الناضجة، وعندما يمتلئ يفرِّغه على الممرات المتروكة لذلك، فكانت تبدو الممرات وقد تشوَّنت عليها الثمار بلونها الأصفر وكأنها خطوط من الذهب تزين قطعة قماش خضراء،،،، 
ودور الصغار كان حمل الثمار من الممرات إلى الشادر بالحمار بعد وضع الجِّنَب عليه (قفتان مثبتتان في خشبة) وأصغرهم كان يركب الحمار ليصنع التوازن بين الجنبتين، وأحيانا كان الحمار ينفر في وجه أحد الأطفال فكان الأب يقول له أتفل في وجهه لكي لا تصاب بالسنط (warts) ولا أعلم مدى صحة هذه المعلومة طبيا، ولكنه كان يحدث.

وطبعا أنا لا أقصد تفل الطفل في وجه الحمار يمنع السنط، ولكني أقصد هل نفر الحمار والرزاز الذي يخرج من منخاره يصيب بالسنط؟! 

ثم تأتي السيارة النصف نقل لتحمل الثمار من الشادر إلى مثواها الأخير حيث سوق الخضار وبطون المستهلكين.

ويقبض الفلاح الفاتورة كثمرة كفاح وشهادة نجاح، وفي طريق عودته يحمل اللحم والحلوى والحمص للأهل والجيران كعادة سنوية وخصوصا في أول نقلة، نقلة البشائر.

فكان الأهل والجيران يفرحون ويتمنون الخير بعضهم لبعض، وينتظرون عودة من سافر بالبشائر محملا بالعادة، ويدعون له بالبركة وزيادة الرزق وألا يقطع الله له عادة.
للأسف غابت كلمة البشائر وغابت معها العادة، وما سمعتها ثانية إلا في بلاد الحرمين في صيغة أبشر ولكنها كانت سادة بدون عادة.

د. ابراهيم النهر

التعود .... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر ماذا حدث له عند إلتحاقه بكلية الطب ورؤيته لجثث الموتى في المشرحة لأول مرة في حياته وكيف تعود على هذا المشهد بعد ذلك؟

التعود ... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر ماذا حدث له عند إلتحاقه بكلية الطب ورؤيته لجثث الموتى في المشرحة لأول مرة في حياته وكيف تعود على هذا المشهد بعد ذلك؟
التعود
كنت أخاف من لون الدم لدرجة إنني لو رأيت طائرا مذبوحا
لا آكل من لحمه، ولو رأيت جرحا ينزف أشعر بدوران وخفقان في ضربات قلبي، وكنت أتعجب ممن يرى الميت، وكان من عادات الريف إعداد موائد للغداء والعشاء والذهاب بها إلى بيت الميت لمدة ثلاثة أيام متتالية، وكنت لا آكل من لحوم هذه الموائد، فقد كان يخيل إليّ أن لها علاقة بلحم الميت.

إلى أن إلتحقت بكلية الطب ولم يخطر ببالي لحظة أن كل تعاملاتي ستكون مع المرضى والجرحى والموتى.
وفي أول يوم في الكلية بل قل أول ساعة كانت مجموعتي عندها سيكشن تشريح وذهبنا إلى المشرحة وكانت المفاجأة ملايات بيضاء تغطي شيئا ما تحتها، ولم أتوقع أبدا أنها جثث موتى فعندما أخبرني أحد الزملاء أنها جثة أصابني الفزع وهرولت بعيدا فوجدت جثة أخرى أمامي فارتبكت وشعرت بدوران وفقدت الوعي وعندما أفقت وجدتني موصولا بجهاز يصدر أصواتا وزملائي من حولي يقولون الحمد لله فاق، وبعدها قررت أن أحول من كلية الطب إلى الصيدلة.

ولكن بفضل نصائح طلبة سادسة طب والذين أقنعوني بأن أستمر في الطب حيث الرسالة السامية وستتعود مع الوقت على هذه المناظر، وبالفعل استمريت وتعودت بل وتعاملت مع الجثث، وكان ذلك في أول إمتحان تشريح ولكني بعد أن انتهيت من الإمتحان وتذكرت ما فعلت، غسلت يدي عشر مرات بالماء والصابون، وليس لي رغبة في الطعام والشراب وكلما قربت يدي من أنفي أشم رائحة الفورمالين، وظل هذا الإحساس لعدة أسابيع.
وفي يوم مسك زميل لسان الجثة وقال ”باين عليه كان لسانه طويل“ ولسوء حظه بل أراه لحسن حظه سمعه الأستاذ ووبخه وأعطاه درسا في الدين والأخلاق.

ولكني أتسأل لماذا لا يكون هناك هياكل للشرح عليها حفاظا على حرمة الميت؟ هل لضيق ذات اليد وإننا بلد فقير؟! أم لأن الإنسان عندنا رخيص ولا قيمة له؟

وفي سنة رابعة وفي راوند الباطنة وكانت حالة الدرس تليف كبدي وتضخم بالطحال بسبب البلهارسيا مما أدي إلى إرتفاع في ضغط الوريد البابي (الطحال المصري وكابوت ميدوسا)    Bilharzial hepatosplenomegaly, portal hypertension and capute medusa
وكأنك تري بطنا منفوخة جدا وبها تعرجات زرقاء حول السرة وتخرج منها رأسا صغيرة وذراعين ورجلين رفيعتين جدا، فالحمد لله على نعمة الصحة حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وعافانا الله وإياكم، فلم أتحمل بشاعة المنظر وأغمى عليّ للمرة الثانية ووقعت نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية (vasovagal attack) وتم نقلى إلى المستشفى وقاموا بتركيب محاليل.
ومع كثرة تكرار مثل هذه الحالات تعودت على رؤيتها ولكن ظل تأثري بها وتألمي وحزني عليها ثابتا لم يتغير إن لم يكن قد زاد.

د. إبراهيم النهر

رحلة الحج بمشاعر جياشة وأحاسيس فياضة بكاميرا الكلمات التي تنبض بالحب

رحلة الحج بمشاعر جياشة وأحاسيس فياضة، يصور دكتور ابراهيم بكلمات تنبض بالحب ويصف تجربته الشخصية، تقرأ وكأنك ترى.

رحلة الحج
كان لديَّ منذ الصغر رغبة عارمة وحب وشغف جارف لزيارة أرض المعجزات، ومهبط الوحي، ومراقد الأحبة محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه -رضي الله عنهم أجمعين.
وكانت هذه الرغبة معجونة بصدق النوايا ومطعمة باليقين، اليقين الذي لم أكن أعلم علاما يستند، فلم أكن مستطيعا ماديا، ولم أكن قد تزوجت بعد.
وذات صباح وفي مكتبي بالوحدة الصحية التي كنت مديرا لها، دخل عليَّ فني المعمل وبعد أن ألقى تحية الصباح أردف قائلا: هناك فرصة للسفر جميلة، ألديك نية؟
فقلت له: الحقيقة ليس لديَّ نية للسفر، ولكن دعني أفكر.
وكنت قد خطبت في هذا الوقت، فاستشرت واستخرت، وبعد يومين تقابلنا فقلت له لا بأس لو فرصة مناسبة أسافر، فأعطاني عنوان المكتب، وبالفعل تم التعاقد وسافرت إلى المملكة العربية السعودية.
وهناك وأول ما لامست قدميَّ ترابها كان جل تفكيري وشغلي الشاغل هو زيارة بيت الله الحرام، وما أن استخرجت الإقامة إلا واستأذنت صاحب العمل لعمل عمرة، وللصدف الغريبة أن يوافق اليوم الذي أرى فيه الكعبة المشرفة لأول مرة تاريخ ميلادي.
وما أن وصلنا إلى الميقات، واغتسلت ولبست ملابس الإحرام إلا وغمرتني فرحة وحلاوة ما زال بعض طعمها في قلبي أتذوقه على فترات، وانطلق لساني بالحمد المتواصل أن أنعم عليَّ بهذه النعمة التي كنت أراها برغم اليقين الذي يملأ قلبي دربا من دروب المستحيل.
وعند معاينة الكعبة المشرفة بأستارها السوداء، وأضوائها البيضاء، أجهشت بالبكاء، وانسكبت العبرات، وانهارت قوايَّ، وجثوت على ركبتيَّ، ولهثت بالتضرع والدعاء (اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا، اللهم أنت السلام ومنك السلام... فاحينا ربنا بالسلام).

وعندما ذهبنا إلى المدينة المنورة، واستقبلنا أنوار النبوة التي استضاء بها الوجود، ووقفت أمام الروضة الشريفة، التي تضم جثمان النبي الطاهر، وشعرت بقشعريرة تسري في جلدي وأوقفت شعر رأسي، وانهمرت من عينيَّ الدموع، مشاعر متداخلة تجمع ما بين الخوف والرهبة والإجلال والتعظيم والحب الطاغي لقبر حوى رفاة خير خلق الله، ثم حييته وناجيته بعبارات متلعثمة بالعبرات قائلا: السلام عليك يا نبي الله، يا حبيب الله، يا صفوة خلق الله، يا سيد الرسل الكرام، أشهد أنك عبدالله ورسوله، بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في سبيل الله حق الجهاد.
ثم خطوت إلى اليمين لأواجه صاحبيه أبي بكر وعمر اللذين ينعمان بجوار الرسول في مثواه، كما نعموا بصحبته في محياه، وسلمت عليهما وترحمت عليهما، ودعوت الله أن يجازيهما خير الجزاء، لنصرتهما الله ورسوله وكتابه.
ثم ذهبت لزيارة البقيع، حيث مراقد أمهات المؤمنين، والصحابة الكرام، والتابعين، ودعوت للجميع بالرحمة والمغفرة والرضوان، ودعوت ألا يحرمني الله أجرهم، ولا يفتنني بعدهم، وأن يقيمني على العهد الذي عاهدوا.

و هكذا تحققت الأمنية التي كنت أظنها مستحيلة، برغم أني لم أكن أملك من أسباب تحقيقها إلا الرغبة الحقيقية وحسن التوكل على الله، فالحمد لله.

د. ابراهيم النهر

حال المحبين والعشاق زمان وضريبة حبهم

حال المحبين في الزمن الجميل... وليلة من ليالي عشقهم لليلى بنت الريف ودفع الضريبة ليحظى بنظرة من عينيها بكاميرا الأديب دكتور ابراهيم النهر
حال المحبين في الزمن الجميل
بمجرد غروب الشمس يغسل شعره تحت الطرومبة بالصابونة الغسيل والتي تزيد الشعر خشونة وتجعله أكثر تليفا ويمشطه وهو مبلل ليثبت فلم نكن نعرف الجل والكريم، وذلك بعد أن يتحايل على أخيه الأصغر ليطمبر عليه ويَعِدَهُ بأن يعطيه شلنًا، ثم يرتدي الثوب الذي على الحبل ويضع من قارورة الرائحة والتي برائحة الفزلين، ويتعجل أخته لوضع مائدة العشاء، فتنظر إليه نظرة ماكرة بعين ونصف، وتقول له (أنا عرفاك متظبرق ومستعجل ليه) فيخطو نحوها وهو يزمجر بعبارات الغضب، فتهدده بأبيه فيهدأ ويرجع يستعطفها ويسترضيها.

وبعد العشاء يتسحب وبدون أن يشعر به أحد يحمل التسجيل وشرائط الكاسيت وقلبه يسبقه وأقدامه تطوي الأرض طيَّا إلى بيت ليلى، ولا ينسى أن يمر في طريقه على الدكان ليتحمل باللب وأقراص الحلوى الحمصية والسمسمية والتى كانت تحبها ليلاه.

وهناك يطرق الباب وقلبه يشرئب من عينيه ليرى ليلى عندما تفتح الباب، وهو يتخيل ليلى تدندن بأغنية فايزة أحمد (ياما الأمر ع الباب) فإذ بأم ليلى هي التي تفتح الباب وتخبره بأن أبا ليلى يُفرِّد شتلة الأرز وفي انتظارك هناك وستأتيكم ليلى بالشاي، ثم تأخذ منه اللب والحلوى.
وينصرف محبطا يجر أذيال الخيبة وعند الغيط يخلع ثيابه ويغوص في الطين ويبدأ في صفع أصداغه وقفاه ليقتل الناموس وقد يكون تأديبا لنفسه ومتخذا الناموس ذريعة..... ربما؟
وبعد أن يغدو أشعث أغبر تأتي ليلى بالشاي وهي تأكل أقراص الحلوى وتتسلى باللب وتصب الشاي، ويتصبب جبينه بالعرق ضريبة للحب.
ويجري لتشغيل الكاسيت ليسمعها أخر ما غنّى عوض المالكي في الحب (خيشه ولنده عفاره وليلى ونشحت بشكاره)، ولكن نقيق الضفادع يحول دون ذلك، وهكذا كان حال المحب، وعلى قدر حبه تكون تضحيته وتحمله للدغ الناموس وعصا أبيه المتربص له عند عودته فجرا خلف باب الدار.
د. ابراهيم النهر

ماذا علمني أبي؟ .... يحكي فيها دكتور ابراهيم النهر عن طفولته الريفية ودور أبيه في تحفيزه على التعليم وتدريبه على تحمل المسؤولية بأسلوب أدبي ممتع وشيق

ماذا علمني أبي؟.... يسرد فيها دكتور ابراهيم النهر شيئا عن طفولته الريفية ودور أبيه في تحفيزه على التعليم وتدريبه على تحمل المسؤولية بأسلوب أدبي ممتع وشيق.
ماذا علمني أبي؟
جلست يوما أتذكر، ماذا علمني هذا الرجل الذي يُدعى أبي؟ فلم أجد شيئا مميزا علمه لي إلا الاعتماد على النفس وتحمل المسئولية والثقة بالنفس.
لا شك أنه كان من مشجعي التعليم، فأذكر له وأنا في أولى إبتدائي، أنه كتب لي رقما بالآلاف ووعدني لو قرأته سيشتري لي ساعة يد، فلما قرأته طبطب على ظهري وقبلني من جبيني وربَّت على كتفي وعبث بشعري ومدحني وأثنى عليّ.
وفي الصباح ذهبت إلى المدرسة وعند عودتي وجدته ينادي عليّ أقبل أقبل فجريت إليه فأخرج من جيبه علبة وقال هذا ما وعدتك به أمس، فالتقطها منه وأنا أهلل ساعة ساعة ساعة واحتضنته وقبلته، وفتحت العلبة فإذ بساعة چوڤان مينتها زرقاء، وأخذ يعلمني فيها ولبستها وذهبت معه إلى الغيط وأنا مشمرا عن ذراعي الأيسر وواضعه على صدري، وأريد أن يراها العالم كله، وقد كان العالم بالنسبة لي في ذاك السن أهل عزبتي.
وثاني يوم لبستها وذهبت إلى المدرسة وأنا طائرا من الفرحة وأضرب حماري وأهز بعنف رجليَّ أُحثه على السير بسرعة، ليرى زملائي ساعتي، وأنا أشعر بنفس الشعور والإحساس الذي كان ينتابنا ليلة وصباح أول يوم في الدراسة من الرغبة في ارتداء الملابس الجديدة ويراك زملاؤك بها، وعندما وصلت إلتف حولي زملائي وبعض المدرسين ليتفرجوا على ساعتي ويستأذنونني أن يضعوها بأيديهم دقائق.
ولكن للأسف لم أفرح بها كثيرا، ففي نفس اليوم كان عندنا حصة ألعاب وخلعتها حفاظا عليها ووضعتها في حقيبتي وبعد أن انتهت الحصة أسرعت إلى حقيبتي فلم أجد الساعة، واختفى اللص بين التلاميذ وكأن براءة الطفولة غير كافية لكي لا يكون من بينهم لصوص، اختفى تماما كما يختفي اللصوص ذوي اللحى والمسابح بين صفوف المسبحين الآن، مما جعلني أجزم أنه داء له جينات تُوَرَّث، ولكنهم إن خدعوا عدالة الأرض فهناك عدالة أخرى لا يفلت منها أحد.
وانطفأت فرحتي ورجعت أجر أذيال الحزن والخوف، حزينا على ضياعها وخائفا من عقاب أبي، ولكن أبي خيَّب ظني وقال لي (فداك)، وكانت هذه الكلمة بمثابة هدية أخرى أثمن وأغلى عندي من الهدية الأولى.
ومن مظاهر حرص أبي على تعليمي أيضا أنه كان يعزم ناظر المدرسة والمدرسين على الغداء يوما في العام ويذهب لهم ب(دوقتهم) مما يزرع من بطيخ وسوداني، وكان يذهب كل شهر إلى المدرسة ليتفقد أحوالي وخصوصا في السنوات الأولى، ولكنه لم يكن أبدا في صفي فدائما ما كان يوصي المدرسين بضربي إذا قصرت أو أهملت في دروسي.

نرجع إلى موضوعنا، كيف علمني أبي تحمل المسئولية والثقة بالنفس؟
كان يجلسني معه في مجالسه ويشركني في حديثه ويعرفني على ضيوفه ويفسح لي المجال إذا أردت الحديث بالاصغاء الجيد وابدائه الاستفادة مما أقول بادعائه أن ما أقوله جديدا بالنسبة له ولا يعرفه من قبل، فكانت الثقة بالنفس.
وكنت كلما جلست معه يحدثني عن ديونه وهمومه ومشاكله، حتى إنني كنت أتمنى أن أكبر وأحمل عن كاهله كل ما يؤلمه، وكنت أقتصد في متطلباتي لكي لا أرهقه، فكنت أبري قلمي حتى يفنى عن أخره، وعند كتابة الواجب أُصَغّر خطي حتى تكفيني الكراسة أكبر فترة ممكنة، وهو لا يشعر بذلك ولكنه غرسه فيّ دون أن يدري، صرت شابا في هيئة طفل.
فلم يقل لي يوما ذاكر بل كان يقول (اللي يذاكر يذاكر لنفسه)، وفي الثانوية العامة كان ينام ويصحو فيجدني أذاكر فيقول(كفاية كدا نام)، بارك الله في عمره وأعانني على بره، فقد أوصلني إلى درجة من تحمل المسئولية أصبح هو نفسه مشفقا عليّ منها.

د. ابراهيم النهر

خواجايه.... قصة واقعية تجسد مشهد من سلوكيات ابن الريف عندما يلتحق بالجامعة ويفتن بالجمال الخلاب لبنات المدينة

خواجايه... قصة واقعية تجسد مشهد من سلوكيات ابن الريف عندما يلتحق بالجامعة ويفتن بالجمال الخلاب لبنات وفتيات المدينة.
خواجايه
كان لي زميل جامعي مولعا بالفتايات لا ينفك يذكرهن، وكان مغناطيس قلبه لا ينجذب إلا إلى الفاخر منهن (السوبر ستار)، وكنت عندما أقول له ذوقك وطموحك أعلى بكثير من امكانياتك، كان رده أعلم ولكن ما المانع أن أحلم.

كان من أصول ريفية، بسيط الملبس (قميص كاروهات ولا يدخله في البنطلون القماش) ، يتكلم بتلقائية ولهجة ريفية لم يحاول أن يعدل منها والتي كانت سر جماله، قد أعفى شاربه، ويفرق شعر رأسه، طويل القامة، مبتسما دائما، خفيف الظل وسريع البديهة، لا تمل من الحديث معه.

ومما أذكره من سرعة بديهته وخفة ظله، إننا في يوم قد ركبنا منيباص النقل الداخلي وعند حصان باب شرق قال أحد الزملاء انظروا جدي مشيرا إلى الفارس الذي يمتطي الحصان، وبسرعة بديهة كان رد زميلي هذا ”ومن الذي يركبه؟“
لنضحك جميعا ضحكا هستيريا متواصلا حتى نزلنا.

وكنا عندما نجلس قبل دخول الدكتور لإلقاء المحاضرة، كان يعقد مقارنة بين فتاته وباقي الفتايات، وكانت فتاته خواجايه بمعنى الكلمة، العيون الخضراء، والشعر الأشقر، والقوام الفرنساوي، واللهجة الأسكندرانية المطعمة باللكنة الفرنسية، فقد كانت بحق وردة وسط خريف المدرج،  وكان أبوها أستاذا بالجامعة، وأمها فرنسية الجنسية، وفوق كل ذلك كانت من أوائل الدفعة، إن لم يكن بتفوقها فبجمالها، وإن لم يكن بالاثنين فبمنصب أبيها.

وكان هذا الزميل متيما بها لدرجة أنه كان يقول أن بنات الحور لو كانت مثلها لكفى جمالهن، وكان عندما تُصبِّح عليه لا ينام ليلتها من كثرة الكلام عنها والتفكير فيها، وكان يفتعل المواضيع التي تفتح له مجالا للحديث معها.

وفي يوم من أيام سنة خامسة وقبل بدء المحاضرة تفاجأنا بها تفرق علينا قطعا من الشوكولاته والتي لم يزل مذاقها في فمي حتي الآن لأنها فعلا كانت شوكولاته من نوع نادر، ولكنها كانت لزميلي بمثابة غصة في الحلق فقد كانت بمناسبة خطبتها لضابط طيار.
د. ابراهيم النهر

الساقية .... ولقطة من حياة الريف زمان بكاميرا الأدب على يوميات دكتور ابراهيم النهر

الساقية .... ولقطة من حياة الريف زمان بكاميرا الأدب على يوميات دكتور ابراهيم النهر
الساقية

عند الحاجة إلى ري المحاصيل كنا نصحو وبزوغ الفجر، نصلي ونضع حزمة من البرسيم أو أي عشب أخضر للبقرة التي عليها الدور في الدوران في الساقية.
وكان أبي يوقظني معه ويردفني خلفه على الحمار ويسحب البقرة، وهناك يقوم بربط المخنقة حول عنق البقرة ووضع الغمى على عينيها لكي لا تصاب بالدوار، ثم يأتي لي بالسوط لأقوم بدور الجلاد، فعندما تتوقف البقرة أجري إليها وأنهال عليها ضربا بالسوط وأنا أصيح «عا .. عا» فترتفع القواديس إلى أعلى حاملة دفقات سحرية من مياه الترعة ثم تلقي بها في الجدول والذي يتفرع بدوره إلى قنوات على وجه الأرض كشرايين الجسد ويستمر سريان الماء في الجدول المناسب، والذي يقطع خريره وشقشقة العصافير وصوت سقاطة الساقية سكون البكور الريفي.
والوالد هناك في وسط الحقل في إستقبال ماء الساقية والذي يحمل سر الحياة ليوجهه بمعوله إلى الأماكن العطشى من الحقل، ليكبر ويثمر ويأتي الحصاد.
ما أشبه هذه الساقية بساقية الحياة التي نحن بصددها الآن مع بعض الاختلافات، فساقية الحياة نحن الذين ندور فيها في دائرة مغلقة لا فكاك منها ولا جديد فيها، وغمى العيون لا ليمنع الدوار ولكنه ليعزلنا عن العالم المحيط ويجعلنا عميا وصما وبكما، وسوط المتطلبات اليومية مع إرتفاع الأسعار يهري ظهورنا ولا يرحم ضعفنا ولا كبر سننا.

وللأسف ناتج هذه الساقية مهدر، فهو ناتج لا يجد من يوجهه فيضيع هباءًا منثورا، فالأب يدور في الساقية، والأم بسياط متطلبتها تجلده، والأبناء هم الناتج المهدر الذي لم يجد من يوجهه.
د. ابراهيم النهر

زفة العريس...زمان ....بكاميرا الكلمات وريشة التعبيرات

زفة العريس أيام زمان بكاميرا الكلمات وريشة التعبيرات للأديب دكتور ابراهيم النهر
زفة العريس
زمان لما ليلة الحنة كانت تنتهي ويتحنى العريس، بعدما ترقص أمه بصينية الحنة المغموس بها عدد من الشموع المضاءة قدامه، وهو جالس على الكرسي في وسط أصحابه، الذين يقوم أحدهم بأخذ صينية الحنة من على رأس أمه بعد ما أجهدها الرقص بصفته المحناوي، وهو يغني (الحنة الحنة يا بنات، أنا الحناوي يا بنات، أجرح وأداوي يا بنات ..   ..) ثم يقوم بنقش كفي العريس وقدميه بالحناء، ثم يقبض العريس كفيه فترة من الوقت حتى تجف الحناء ولا يغسلها إلا في الصباح، فيجدها قد خضبت كفيه وقدميه.
ثم يذهب إلى أبعد بيت في العزبة من بيته، ويمكث فيه حتى يحين وقت زفته، ويأتيه الحلاق فيحلق له شعره وذقنه ويزينه ويعطره.
وعندما تأتي عروسه يجلسونها على كرسي في الدهليز وحولها الفتايات من أهلها يغنين لها (سلم أبوها اللي رباها للناس الزينين عطاها)، والعواجيز من مداعي العريس يهمسن في أذن بعضهن بعدما يحدقن ويمققن ليخرجن فيها عيبا، فإن لم يجدن عيبا قلن حمراء الوجنتين.
وتظل هكذا بفستانها الأبيض محط أنظار النساء من أهل ومداعي العريس، وبعدما ينتهون من إطعام أهلها، يدخلونها غرفتها، ويذهب الشباب قبل غروب الشمس لزفة العريس، فيجدوه في أبهى صورة، جلباب أبيض، وشال زهري ينساب على كتفيه ويرمي طرفيه حول عنقه، والطاقية التي قد عوجها له الشباب إلى الأمام لتغطي نصف جبهته، ويمسك عصا خيرزان بيضاء معكوفة من أعلى، ويتبادلها بين كلتا يديه، لا أدري أقلقًا أم عياقة أم هما معاً؟.

وتبدأ الزفة من الغرفة التي كان يتزين بها، شاب يطبل على الطشت، والباقون يصفقون، وأحدهم يغني والباقون يردون عليه، ومما أتذكره مما كانوا يقولون (عريسنا من دون العرسان عليه الريحه والريحان) وقولهم أيضا (عريسنا ماسك عود الفل العقبال الجدعان الكل)، وما أن يمشي العريس خطوات معدودة إلا ويجلسوه على الكرسي الذي يحمله أحدهم خلفه، وكنا نحن الأطفال نزاحم الشباب ونمرق من بين أرجلهم لنرى العريس، وعندما يقتربون من بيت العريس الذي قد تم طلاؤه بالجير، يعلو صياحهم ثم يحملوه على الأعناق ويطوفون به، ولولا الشياب لعادوا به ليعيدوا الكرَّة من جديد، وفجأة تأتي اللحظة التي ننتظرها نحن الأطفال بخروج أم العريس لترش الملح الحصى وحبات الحلوى على الرؤوس، ونتنافس ونتدافع في التقاطها.

وقبل غروب الشمس ينزع منهم نزعا، ويدفع إلى غرفته دفعا،
ولا تمر دقائق حتى ترقص أم العروس وأخواتها بالمناديل الحمراء، وهن يقلن (يا نخلة يا مفرعة شرفتي اخواتك لربعه).

ثم يتم من ثاني أيام الفرح دعوة العريس لتناول وجبة العشاء عند الأقارب والجيران بالحجز المسبق طول مدة شهر العسل تقريبا، وبعد وجبة العشاء يصطحبنا العريس معه إلى غرفته لرؤية عروسه ونشرب الشربات ونضع (النقطة)، ونحن خارجون يعطي كل صبي منديل قماش معطر، وتعطي العروس كل صبية إشارب.
د. ابراهيم النهر

الكشف الأول لكل طبيب

الكشف الأول لكل طبيب ... والاختبار الصعب بقلم دكتور ابراهيم النهر يسرد تجربته الشخصية ويحكي ظروف وملابسات أول كشف له.
أول كشف لي
بعد ما انتهيت من امتحانات السنة السادسة في كلية الطب وهي سنة (دوبل) تبدأ من سبتمبر وتنتهي في ديسمبر من العام التالي، فتأتي علينا فترة ثلاثة شهور يكون فيها سنة سادسة قديمة وسنة سادسة حديثة، وأصبحت طبيبا على الورق، أو بمعنى آخر طبيبا نظريا، وإن كنت قانونيا مازلت غير مصرح لي بالعمل كطبيب، فتصريح مزاولة المهنة بعد سنة الإمتياز، ولكني فوجئت بطلب أحد زملائي مني بالعمل في إحدى المستشفيات الخاصة (شيفت نايت) من الثانية صباحا حتى الثامنة صباحا بثلاثين جنيها على ما أتذكر، فقلت له ولكني لم أعمل بهذا العمل قبل ذلك، فأعطاني كتابا به بعض الأعراض وكيفية التعامل معها وأسماء الأدوية المناسبة لها، وقبلت أن أذهب ولكن كلما كان يقترب الوقت من الساعة الثانية كان يزيد توتري وقلقي، وفي تمام الساعة الواحدة ارتديت ملابسي وشربت كوب شاي وركبت من محطة مصر المشروع الموصل لهذا الحي ونزلت أمام المستشفى، وأنا متردد ومتوتر جدا فلأول مرة سأكشف على مريض وأتخذ قرار مصيري ولن يراجعه أحد بعدي، ولكن كالعادة وكما يحدث مع كل طلبة الطب الريفيين فمنذ ظهور نتيجة الثانوية العامة وقبل حتى ظهور نتيجة التنسيق يلقبون بالدكتور (الدكتور ذهب الدكتور أتى)، مما يحثك على تعلم بعض الممارسات في السنوات الأولى من الكلية كقياس ضغط الدم واعطاء الإبر العضل والوريدية وتركيب الكانيولا.

وعندما يمرض قريب أو جار لك وتذهب لعيادته تُقام لك لجان امتحانات من مدعيّ الثقافة، ويبدأون في اطلاق وابل الأسئلة صوبك في الوقت الذي أنت مازلت فيه لم تدرس طبا ولكنك تمهد لدراسة الطب الذي يعنوه، تدرس مواد أكاديمية بحتة كالتشريح ووظائف الأعضاء والأنسجة والخلايا وغيرها، كأن يسألك أحد المتفلسفين ما الفرق بين السكر في البول والسكر في الدم؟
ووقتها يكون هذا السؤال شكله وجيها بالنسبة لك، ولكنك لا تعرف إجابته وتتلجلج في الكلام فيبدأ هذا الفيلسوف في الإجابة ويجذب إليه أسماع الحاضرين كأن يقول أن السكر في البول أقل خطورة من سكر في الدم، فالأول تبرأ منه تماما ولا تحتاج إلى علاج دائم، وكأن هناك فرق علمي فعلا بين وجود السكر في البول والدم، ومازالت رواسب هذه الأكاذيب نواجهها في عيادتنا إلى الآن، والحقيقة هي أن السكر عندما يرتفع في الدم يظهر في البول.
أو عندما يفتي آخر بأنه لا داعي لعمل عملية جراحية لمريض الصفراء الإنحباسية والتي تسببها حصوة في القناة المرارية، متعللا بأن قريب له كان عنده الصفراء وذهب إلى فلان فكوّاه على عضده وبرأ منها تماما، ثم ينظر إليك ويوجه إليك سؤلا تقريعيا (وللا ايه رأيك يا دكتور؟)
وأنت مازلت لم تكتمل عندك الصورة بعد، مازلت لا تعرف ما الصفراء وما أنواعها وما العلاج المناسب لها وما دور الكي في شفائها؟؟؟
كل ذلك وأكثر يواجهه طالب الطب الريفي، مما يجعله يتندي جبينه خجلا أنه لا يعرف وهو الطالب المتميز ومن أوائل مركزه في الثانوية، ويجعله يلوم نفسه ويُؤنبها، ظانا أنه تقصيرا منه لنكتشف أننا مازلنا بعد السنة السادسة جهلاء الرد على مثل هذه الأسئلة وأن رحلة المعرفة الحقيقية تبدأ بالإحتكاك الذاتي مع المرضى، تحت شعار علم نفسك بنفسك في سنة الإمتياز.
ورجوعا إلى شيفت النايت الذي كنت بصدده، دخلت المستشفى وعرفت موظف الاستقبال بنفسي فرحب بي وعرفني على الممرضة التي معي والتي خففت من روعي، ووعدتني بالمساعدة إذا احتجت.
ودخلت الغرفة الخاصة بالأطباء وأنا ألهث بالدعاء أن تمر الليلة بسلام ولا تأتي حالات، وفي تمام الساعة الرابعة صباحا رن التليفون، رفعت السماعة ولسان حالي يقول استر يا رب فإذ بموظف الإستقبال يقول حالة يا دكتور.
فوجدت جسمي كله يرتعد ولبست البالطو وأنا أنتفض ومرتبك ولكني أحاول أن أتماسك، وأبحث عن نظارتي في أرجاء الغرفة لأجدها بعد فترة من البحث فوق عيوني.

وذهبت مسرعا لأخفي ارتباكي، ويظنه المرافقون أنه إهتمام بحالتهم، لأجد فتاة في العشرين من عمرها، وملامح وجهها تكاد أن تختفي بسبب الورم الشديد، وتشتكي من صعوبة في التنفس، وهرش بالجسم مع ظهور بؤر حمراء في الجلد، وعند قياس ضغط الدم وجدته منخفض، ومن كلام المرافقين عرفت أنها أخذت قرص علاج من ساعة تقريبا.
فشخصت الحالة على أنها حساسية عقار، وأعطيتها أمبول ديكسا وأمبول أڤيل، وبَدَأَتْ الحالة في التحسن وبَدَأَتْ معها الثقة بالنفس تدب فيَّ.
وهذا التوتر والقلق قد يكون بسبب أنها أول حالة أكشف عليها وبسبب المبالغة في دراسة الآثار الجانبين للأدوية!!
...ربما!!!!

فإلى الآن أجد أطباء وفي فترة النيابة يتردد أن يعطي مريضا أمبول ديكسا لأعراضه الجانبية برغم أنه قد يكون مهمَّا للغاية، فقد يكون سببا في انقاذ حياة مريض.
د. ابراهيم النهر

بائع الفاكهة وحفيده

بائع الفاكهة وحفيده... قصة واقعية بقلم دكتور ابراهيم النهر
بائع الفاكهة وحفيده

استوقفني أثناء عودتي من العيادة الساعة العاشرة مساءً عند جسر من الجسور وتحت عمود إنارة مشهدا لرجل كبير في السن، يرتدي بالطو أسود، ويلف حول رأسه شالا أبيض، ويجلس القرفصاء ويخبئ يديه ما بين فخذيه وبطنه من شدة البرد، وأمامه قفصين أحدهما برتقال والآخر يوسفي، وخلفه سباطة موز معلقة على إحدى خشبات عشته والتي قد افترش أرضيتها بحصير بلاستيك أزرق متهالك، وملقى عليه شيكارة مملوءة بالقش كوسادة، وبطانية صوف مقلمة، خطوط بيضاء وبني بالتبادل، من تلك التي كانت تصنع يدويا من أوبار الجمال وأصواف الأغنام،  ذات الملمس الخشن، والتي تترك بعضا من شعرها على ملابسك بمجرد أن تتغطى بها.
سألته وهو يزن لي الفاكهة، ألا تبرد يا عمي وأنت تنام هكذا في الخلاء؟
فأجاب بابتسامة يكسوها الرضا: (يا بني ربنا حنين وكريم ورحيم بعباده ويرسل البرد على قدر الغطا، بمجرد ما أدخل تحت الباطنية القديمة وأنكمش في بعضي أشعر بدفء لم أشعر به في غرفتي المغلقة وعلى سريري)
فقلت له: سبحان الله، والله إني لأتغطى بثلاث بطاطين وأشعر بالبرد ينخر في عظامي.
فقال لي: ماذا تعمل؟
قلت: طبيبا
فقال: ألا ترى أن الفقير يُشفى بقرص ريڤو من الصيدلية، في حين أن الغني يذهب إلى الطبيب ويدفع قيمة الكشف، ويطلب منه الطبيب عمل تحاليل وأشعة ثم بعد ذلك يكتب له وصفة العلاج، وينفق ما لا يقل عن الألف جنيه، وهنا تتجلى رحمة الله بعباده، وهو يهز رأسه.
ثم انتزع كيسا أسود من رزمة الأكياس المعلقة بجانبه، ثم أخذ يضع فيه ما يزن من الفاكهة، وواكب ذلك مجئ طفل ابن العاشرة من عمره يرتدي آيس كاب وهو يحمل قارورة ماء قد ملأها من بيت مجاور ودخل بها العشة ووضعها وهو يتمتم بكلمات لم أسمع منها إلا كلمة جدي، وتدثر بالبطانية وأمسك بكتاب وأخذ يحقق ويمقق على ضوء عمود الإنارة الخافت. فقلت له: من هذا؟ وماذا يفعل؟
فقال: هذا حفيدي محمد قد مات والده وتركه واخوته، ويأتي كل يوم بعد المدرسة ليساعدني وينام معي، وهو الآن يذاكر استعدادا للامتحان غدا....
فنظرت إلى الطفل المنهمك في الكتاب وبدت على وجهي علامات التعجب والاستغراب!!
ولم يكن تعجبي لما يفعله الطفل من النحت في الصخر وتحدي الصعاب فقد كنت كذلك، ولكن تعجبي بمقارنته بأطفال جيله.
واستكمل الجد كلامه قائلا: ويحصل على المركز الأول كل عام ويكرم كل عام ويأخذ شهادة تقدير.

مما زاد من اعجابي به، الإصرار على التعليم والتفوق متغلبا على كل الظروف الصعبه المحيطة به، ابتداءً باليتم وانتهاءً بالفقر، وعلمت أن نوابغ الفطرة ما زالوا موجودين برغم الزحف الطاغي لصناعة الأوائل.
د. ابراهيم النهر

واحد أبريل

واحد أبريل .... قصة تحاكي الواقع نسجها بخياله وصاغها بقلمه دكتور ابراهيم النهر
 
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، وما قرأت إعلان مسابقة عن عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة فيها، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، والعرق الذي ينبع من جبهتي، وأدفع به خجلي الذي تنطلي به سحنتي، كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر، ولكن في الحقيقة الذي كان يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.

وبعد أن يأست ورضخت مستكينا تحت صخرة الواقع، وأفقت شيئا ما من نشوة خمرة الشباب وأحلامي الوردية، فقد مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف.
وبدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليل في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد بالشئ الفلاني، وكنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، فسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، فأجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي ظننتها عجزا ويأسا فقد كنت غِرا ولا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، حيث قال: وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم  أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.
وبدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم، وأثناء البحث عن عمل، استيقظت مبكرا وكان الجو مشمسا، وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر  وكنت قد أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت وإلى أن جاء المساء كنت قد شربت أربعة كئوس شاي، وحجرين معسل.
وفي طريق عودتي إلى البيت اصطدمت بعبد الفتاح والذي عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
ودون أن يمهلني أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
فقال عبد الفتاح: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك والتي كانت قد أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
فقلت: بجد ..!! لا لا ..!! أنت تمزح........!!
قال: بجد وها هو اسمك في الجريدة.
فقلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد كنت فقدت الأمل في هذه الوظيفة.
وكانت بداخلي رغبة خفية وجارفة في أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، ولكني كنت ما زلت في الشارع.
وعدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراتي أنا عايز أخدكوا في أحضاني.......»
وفتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، لأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، وبدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، والغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.

وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كعادتي كل ليلة، فكانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم النهر

ما بين الترعة والبيسين


ما بين الترعة والبيسين .... قصة تبحر بك بين ثنايات الماضي وحياة الريف بقلم دكتور ابراهيم النهر
ما بين الترعة والبيسين
أيام الصيف وفي وقت القيلولة وأشعة الشمس الحارقة، وفي الأفق وعلى مرمى البصر كنا نرى خيالات متحركة، وكنا عندما نسأل عنها أباءنا يقولون (غنم إبليس)، وهي في الحقيقة إنعكاس لأشعة الشمس بعد إرتفاع درجة حرارة الرمال إرتفاعا شديدا.
كانت بيوت القرية مستسلمة تماما لسهام الشمس، فالشوارع خالية ولا تكاد تسمع صوتا إلا صوت هؤلاء الصبية الذين يسبحون في الترعة التي تتوسط هذه القرية بعد أن يقفزوا من على جزع النخلة والذي يضعونه جسرا يربط بين شقي القرية.
هذه الترعة كانت بحر مصيفهم وحمام سباحتهم، ففيها يغسلون عرقهم وأدرانهم ويلعبون ويمرحون مع أقرانهم وهذا أسما أمنياتهم لو أباؤهم سمحوا لهم بها.
والآن أصبح منهم من يرتدي البدلة ورابطة العنق ويركب السيارات الفارهة ويشغل المناصب ويصيف في الساحل الشمالي ويشتي في شرم وقد يكون لديه حمام سباحة (بيسين) في ڤلته، وهذا جميل.
ولكن القبيح والعيب هو أن ينسوا أصلهم وأهلهم الطيبين، الذين يفتخرون بهم وعندما يرونهم في بعض المناسبات،  يهللون ويهتفون ويأخذونهم بالأحضان، ولا يدرون هؤلاء الطيبون أن من يفتخرون بهم يحضرون هذه المناسبات على مضض ويُنَفِّضون أيديهم وملابسهم بعد السلام عليهم  ويتأففون من أحضانهم.
العيب كل العيب أن ينسوا الترعة التي كانت مصيفهم وحمام سباحتهم، أن ينسوا أصحاب طفولتهم لمجرد أن أيديهم خشنة وأقدامهم مشققة، وقد يكون من خشنت أيديهم وتشققت أقدامهم هم من جعلهم الله سببا في نعومة أيدي هؤلاء وأرجلهم.
والأدهى والأمر لو كان من يفتخرون به طبيبا، فكان من الأحرى به أن يعالج أمراضهم وخصوصا البلهارسيا التي أكلت أكبادهم بسبب الترعة التي كانت حمام سباحته وسباحتهم ولكن مَنّ الله عليه وأصبح من أصحاب البيسين، لا أن يتبرأ ويخجل منهم، فما تعلم إلا بهم ولهم.

د. ابراهيم النهر

موسم حصاد الأرز

موسم حصاد الأرز .... أيام زمان
موسم حصاد الأرز
كان شهرا أكتوبر ونوفمبر من أحب شهور العام لقلبي ففيهما موسم حصاد الأرز والذي كان يُحصد بالأيدي العاملة بواسطة المناجل ويُرفع إلى الأجران بالجِمال، في جو رائع، سماء تخالطها السحب وأسراب الطيور وأحيانا زخات المطر.

ثم يجتمع الأهل والجيران وكل من شارك في هذا العرس لتناول وجبة عشاء شهية ولذيذة، ليواصلوا العمل ليلا على نور القمر ووجوه الحسناوات لدرس المحصول بعجلات الجرار الزراعي بحركة دائرية على القرص لفصل الحب عن القش.

ليأتي دور المدراوي والذي ما أحببت هذا الموسم إلا من أجل اللقاء به والسمر بحديثه والتبرك بطيبته رغم إنني لم أكن إلا ابن العاشرة ولكنه كان يعطيني مساحة للحديث معه بإصغائه الجيد وإظهاره الإستفادة من حديثي (رحمه الله رحمة واسعة وغفر له).
 كان شيخا كبيرا متدينا يلبس قميصا أبيضا يغطي إلى منتصف ساقيه، محبا لمشروب الشاي.
كان يقول لي( يا رهومه هات عرف جنزاوير وتعالى اسحب من تحت المدره) وكنت بفرع الجزوارين أسحب الشوائب وأعواد القش التي لا تطير مع الريح، سعيدا بالحديث معه وسعيدا بدوري في استخلاص الذهب.

هذا الرجل كان جُل ما يملكه نصف فدان وتبرع به لبناء مدرسة ومن قبلها مسجد، ولم يفتح بجوارها دكانا أو إشترط تتعين ابنه أو حفيده، بل لا أراه فعلها إلا إبتغاء مرضات الله وإيمانا بقوله تعالى (ما عندكم ينفد وما عند الله باق).

في الوقت الذي فيه من يمتلكون عشرات الأفدنة ليس فقط لا يتبرعون للأعمال الخيرية إلا لعلة، بل أيضا يأكلون السكك والحدود «إلا من رحم ربي» صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-(ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس).

لله درك أيها الرجل، ولأنه يعلم أنه لا خلود إلا خلود الآخرة رفض أن تحمل اسمه، وسميت باسم المنطقة (مدرسة النهر).

أخرجت هذه المدرسة أطباء ومهندسين ومدرسين وأدباء وأئمة وما زالت تُخرج وستزال بإذن الله.
اللهم اجعلها صدقة جارية وعلم ينتفع به في ميزان حسناته.

رحمه الله إنه الشيخ #عبدالجواد منصور النهر.


د. ابراهيم النهر

محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مرسى مطروح بقلم دكتور ابراهيم النهر

محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مرسى مطروح بقلم دكتور ابراهيم النهر

محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مطروح
بعد انتهاء امتحانات السنة الثالثة بكلية الطب، وفي ليلة من ليالي الصيف القمرية، كنت أجلس مع ابن عم لي على الرملة التي بجوار مسجد القرية، وقررنا أن نسافر إلى مطروح ونلحق بأخي الذي يعمل هناك بعد أن أنهى امتحاناته بكلية الآداب، ونكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد، فمنه فسحة ومنه عمل.
وفي الصباح الباكر حملنا حقائبنا وسافرنا إلى الإسكندرية، وفي محطة أتوبيس مطروح كان الفقراء المسافرون يضج بهم المكان ويرفعون أعناقهم  مثل الإوَزّ مع وصول كل  أوتوبيس ليروا رقمه ولافتة اتجاهه، ونظراتهم نظرات من يخاف أن يضيِّع شيئا ما، وقد علقوا حقائبهم ذات السوستات الخربة في أكتافهم ويظهر منها جهاز راديو ببطاريات، وما بين لغط مكبرات الصوت وضوضاء الأتوبيسات والباعة الجائلين (أي حاجة بجني) يخافون أن يضيعوا رحلتهم الخاصة، والذين ينامون على الدِّكَّات يستيقظون فزعين وجاهزين للانقضاض.
ما أبشع صورهم التي تجمع بين الرهبة والصبر والخضوع، ما أخبث رائحتهم وهم بعد ما زالوا على مسافة، لا يحسنون التصرف بحضور الناس، ولك أن تتخيل أصابعهم التي صُبغت بالنيكوتين وهي تفرك العيون الحمراء، على الأرصفة يمضون ويعودون، يقفزون ويؤمنون الحقائب والطرود، يطرحون أسئلتهم الوقحة في الشبابيك، ويهمسون بكلمات ملغزة، ويتأملون أغلفة المجلات في حالة ذهول، ويرمون بمخلفاتهم وبقايا طعامهم بجوار جدران المحطة.

الفقراء لا يعرفون الطريق إلى صالون الحياة، بذلك المضي وتلك العودة، وتلك الثياب غريبة الأطوار بروائحها المزعجة، وتلك الحمرة الفاقعة للمهرجان الشعبي، ولحديقة الملاهي، وعلى شواطئ البحر صيفا، وعلى ضفاف النيل في شم النسيم، مناظر تتأذى منها العيون، والباعة الجائلون الذين يعوقون حركة المارة، و........، و........

الفقراء لا يعرفون كيف يسافرون وإن كان الأغنياء يسافرون جالسين، وهم يسافرون واقفين، ولا يعرفون كيف يلبسون، وأيضا لا يعرفون كيف يعيشون، ولا حتى كيف يموتون؟
يكاد يكون موتهم دائما بشعا ومزعجا.

وما إن وصل الباص إلا وتكدسوا على الباب ويدفع بعضهم بعضا ويشد بعضهم بعضا، برغم أن التذاكر مرقمة بترتيب الكراسي، ولكنهم تعودوا على الزحام على كل شئ، على أرغفة العيش، على اسطوانات الغاز، على حجز التذاكر، في استخراج جواز سفر، في استخراج بطاقة، في عمل فيش، في دفع رسوم، في عيادات المستشفى، في أي مصلحة قد تخطر لك على بال، فصار التزاحم للتزاحم سمة من سمات هذا الشعب.
ثم انطلق الباص يخترق الصحراء، ويطل علينا البحر ولا يلبس يختفي خلف كسبان الرمال، وأدار السائق الكاسيت الذي يصب على أسماعنا نغمه عبر السماعات التي تعلو كل كرسي، وأخذ الباص يسبح في كلمات مأمون الشناوي ولحن بليغ حمدي وشدو كوكب الشرق أم كلثوم ورائعة (أنساك).

وقد أزحت الستارة البنية من على زجاج النافذة، وسرحت مع هذا الجو في الصحراء الشاسعة كراعي الأغنام والإبل الذي يقطع كل فترة وحشة الصحراء بخيمته وبعض شجيرات التين من حولها تؤنسها، وسيدة بزيها البدوي وحزامها الأحمر وتحمل على رأسها جرة ماء وخلفها صبية يحمل كل واحد منهم قارورة ماء.
وكان لا يشوه جمال اللوحة الطبيعية إلا أصوات هؤلاء الذين راحوا يغطون في نوم عميق، ولا يقومون إلا ليخرجوا سندوتشات السدوق أو البيض والبصل ويتخللها طرشقة زجاجات الماء وهم يشربون، ثم يتجاءشون، وينامون، فقراء لا يعرفون كيف يتمتعون!!!
وصلنا عصرا فاتجهنا إلى البحر لأجده بحرا مختلفا عما رأيت من بحار، بحرا قد عُجِن بضوء الشمس، ماؤه يتلألأ كالفضة، ورماله بِكر كأن لم تطأها قدم من قبل، وهواؤه كأنه ماء بارد يروي الظمآن.
رحلة استمتعت بها كثيرا على الرغم من أنني لم أجد فيها عملا يناسبني، فكل أعمالها كانت في المعمار.
ويظل البعض للأسف ممن لا يعرفون كيف يتمتعون يذهب إلى هناك بظمئه ودرنه ويعود بهما إن لم يكونا قد زادا.

عند الوصول أخذنا جمال المنظر حتى نسينا ما جئنا من أجله، و لم ينبهنا له إلا لون شفق الغروب الذي بدا لنا على صفحات مياه البحر الهادئة، فارتدينا ملابسنا بسرعة، وتذكرنا وقتها إننا غرباء ولا مأوى لنا في هذا البلد.
لم يكن جهاز الموبايل قد أُختِرع بعد، وكل ما نعرفه عن عنوان أخي مجرد خطوط عريضة لا تصل بنا إلى مكان سكنه بالتحديد، ذهبنا إلى المنطقة التي يسكن بها ولكننا لم نصل إلى نتيجة، وقابلنا أحد الأشخاص الذي استضافنا للمبيت عنده، وقال: إننا بهذا العنوان كمن يبحث عن إبرة في كوم قش، ونصحنا بأن نذهب في الصباح الباكر إلى شارع الإسكندرية فقد نتقابل معه هناك، وبالفعل قمنا مع بزوغ الفجر وتوجهنا إلى هناك، وبعد أن كاد اليأس أن يتسلل إلى نفوسنا لمحت أخي من ظهره يخرج من سوبرماركت، فوثبت واقفا وهرولت إليه قبل أن يبتلعه زحام الشارع، وبعد أن تبادلنا الأحضان والقبلات والسلامات الحارة اصطحبنا معه إلى مكان عمله ثم سكنه، وأخبرنا أنه لم يخرج لهذا الشارع منذ أسبوع، ونادرا ما يأتي إليه، ولكن شيئا ما جعله يخرج ليتبضَّع منه للفطار اليوم، سبحان الله لنجدا الإبرة في كوم القش.
ومرت الأيام ولم نجد عملا إلا في المعمار، فاقترح ابن عمي لو نصنع شايا على الكورنيش، فوقعت الفكرة من نفسي بمكان فبادرنا في تطبيقها، وكان ابن عمي خجولا جدا فيصنع الشاي ويخجل أن ينادي ليجذب انتباه الناس، فكنا نصنعه ونجلس لنشربه، وعندما جاء نحونا أحد المارة واستبشرنا خيرا كان يريد أن يشرب ماءً.
وكنا كمن جاء ليبيع الماء في حارة السقايين، وعدنا في المساء نجر أذيال الخيبة، وأفنينا ما معنا من سكر وشاي على بطوننا، وإلى الآن عندما أتقابل مع ابن عمي الخجول نذكرا القصة، والرجل الذي فرَحْنا بقدومه نحونا، فخذلنا وكان يريد أن يشرب ماءً، ونضحكا.
د. ابراهيم النهر