ضي القمر
في ليالي الصيف القمرية وأمام بيتنا، كان الآباء يفترشون الرمال الذهبية والمحببة والتي لا تلتصق بالملابس، ولا تتسخ الأيدي لو عبثت بها وهم يلعبون السيجة، وتحت الريح يشعلون النار في حزمة الحطب التي جمعوها، وعندما تخبو وتصير جمرا يقومون بوضع براد الشاي وحوله أكواز الذرة بعد أن يزيلوا غلافها، ويبدأ دوي أصوات فرقعة بعض حباتها ودخان ورائحة الذرة المشوية تفوح وكأنها دخان مطعم مشويات، وعلى إثرها تهل الوفود من المارة والجيران ليشاركوا في هذه الوليمة التي دعاهم إليها صوت الفرقعة والرائحة الجذابة، فلم تكن هناك حواجز وكلفة وحرج بين الجيران، فقد كنا نقصدهم ويقصدوننا في عود ثقاب أو ”عبار“ سكر و”تلقيمة“ شاي وأحيانا رغيف خبز.
ويحتسون جميعا الشاي وهم يأكلون الذرة ويدلو كل منهم بدلوه في أمور الحياة، وبالقرب منهم تجلس النساء منتظرات نصيبهن من الشواء.
ونحن بجوارهم بالشورت والفانلة، تارة نصنع أكواما من الرمال وتارة أخرى نحفر حفرة بأيدينا ونردم أحدنا فيها حتى عنقه ونتركه يُخرِج نفسه بعد أن نُوثِق يديه خلف ظهره، وعندما نُجْهَد تماما تأتي فقرة الرسم والكتابة على الرمل.
وفي كل ذلك كان يصاحبنا خيالنا من ضي القمر، وفجأة خفت نور القمر واختفى الخيال، فقامت فتاة مسرعة باحضار طشتا وملعقتين وقامت بالطرق على قعره، والأخريات قمن بالتصفيق والغناء، فركضنا إليهن لنستفسر منهن عما حدث، فأخبرننا أن بنات الحور قد خنقن القمر، ووجب علينا أن نطبل ونغني ونهلل ونطلب منهن أن يتركن القمر وإلا أماتنه.
وبعد فترة من الطبل والغناء والتهليل تركت بنات الحور عنق القمر وعاد الضوء، هكذا كنا نظن.
لنعلم بعد ذلك أنه كان خسوفا للقمر وما كان يجب علينا فعله هو الصلاة والدعاء لا الطبل والغناء.
.د ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق