واحد أبريل
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، ما قرأت إعلان عن مسابقة عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، أدفع به ما ينتابني من خجل كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر يوما ما، في الحقيقة الذي يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.
مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف، بدأ اليأس من الحصول على وظيفة يتسرب إلى خلجات النفس، وبدأت أفيق من خمرة أحلام الشباب الوردية بعد اصطدام شديد بصخرة الواقع.
بدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليالي في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد اشتريتها بالشئ الفلاني، كنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، استوقفني وسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، أجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي وحماس الشباب الذي يغلي في دمي ظننتها تثبيطا وتيئيسا، كنت غِرا لا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، قال وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.
بدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم مشمس استيقظت مبكرا وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت إلى أن جاء المساء، شربت أربعة كئوس شاي وحجرين معسل.
في طريق عودتي إلى البيت مرهقا ومحبطا، اصطدمت بعبد الفتاح صديقي القديم على ناصية الشارع، عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
لم يمهلني وقبل أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
قال: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك التي أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
قلت: بجد..!! لا لا..!! أنت تمزح.......!!
قال: بجد وها هي الجريدة.
قلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد فقدت الأمل في الوظيفة الحكومية، واحتضنته وقبَّلته.
كانت بداخلي رغبة خفية وجارفة أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، لكني كنت ما زلت في الشارع.
عدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراني أنا عاوز أخدكوا في أحضاني.......»
فتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، سأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، بدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، الغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.
وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كما أفعل كل ليلة، كانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم مصري النهر
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، ما قرأت إعلان عن مسابقة عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، أدفع به ما ينتابني من خجل كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر يوما ما، في الحقيقة الذي يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.
مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف، بدأ اليأس من الحصول على وظيفة يتسرب إلى خلجات النفس، وبدأت أفيق من خمرة أحلام الشباب الوردية بعد اصطدام شديد بصخرة الواقع.
بدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليالي في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد اشتريتها بالشئ الفلاني، كنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، استوقفني وسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، أجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي وحماس الشباب الذي يغلي في دمي ظننتها تثبيطا وتيئيسا، كنت غِرا لا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، قال وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.
بدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم مشمس استيقظت مبكرا وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت إلى أن جاء المساء، شربت أربعة كئوس شاي وحجرين معسل.
في طريق عودتي إلى البيت مرهقا ومحبطا، اصطدمت بعبد الفتاح صديقي القديم على ناصية الشارع، عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
لم يمهلني وقبل أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
قال: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك التي أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
قلت: بجد..!! لا لا..!! أنت تمزح.......!!
قال: بجد وها هي الجريدة.
قلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد فقدت الأمل في الوظيفة الحكومية، واحتضنته وقبَّلته.
كانت بداخلي رغبة خفية وجارفة أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، لكني كنت ما زلت في الشارع.
عدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراني أنا عاوز أخدكوا في أحضاني.......»
فتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، سأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، بدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، الغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.
وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كما أفعل كل ليلة، كانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق