محطة الرمل وصورة مصغرة لحياة وطبقات المصريين الاجتماعية.
مصر المصغرة
كان يوم عودتي إلى قريتي أيام دراستي بالجامعة كل أسبوعين من أسعد الأيام وأحبها إلى قلبي، حيث لقاء الأهل والأصحاب والأقارب، والذين لا يحلو لهم السمر والسهر إلا معي، وفي مندرة منزلنا البسيطة، والتي كانت تمتلئ عن أخرها، منهم من يريد ان يريني علاجا كتبه له أحد الأطباء، ومنهم من جاء لأقيس له الضغط، وآخرين جاءوا لا حاجة لهم إلا الجلوس معي ومعرفة أخباري.
وفي صباح يوم خميس وبعد أسبوعين بعيدا عن أهلي، حملت حقيبتي وتوجهت إلى الكلية لأحضر محاضرة ثم أطير بجناحي الشوق والحنين إلى قريتي، وما أن علمت بإلغاء المحاضرة لسفر المحاضر، إلا وانطلقت أسابق السيارات في الشارع إلى محطة مصر، وفي الطريق ممرت بمحطة الرمل، وهناك نسيت استعجالي ولهفتي إلى القرية، فقد استهواني واستوقفني جمال محطة الرمل، وسيمفونية أصوات عربات الترام القادمة والمغادرة، وأصوات أبواب المحلات الجر التي تفتح مبكرا، والوقت الأكبر كان من نصيب أكشاك بيع الجرائد والمجلات، حيث قضيت وقتا طويلا أتجول بين أغلفة المجلات، وعناوين الجرائد، ولفت مكوثي الطويل نظر بائع الجرائد، والذي أنشدني إلى مكان ضالتي بشارع النبي دانيال حيث بائعي الكتب والمجلات القديمة بأسعار بخيسة، وأخبرني أنه يمكنني أيضا استئجار بعض الكتب لأقرأها وأردها وأسترجع ثمنها.
وما شد انتباهي في هذا اليوم شديد البرودة ألسنة اللهب وحلقات الدخان المتصاعدة من فرن البطاطا بلونه الأسود من أثر الهباب والفحم والذي يعلو عربة يدفعها رجل بشرته بلون طمي النيل، وشارب وعمامة وجلباب بأكمام واسعة، والتي تنم عن مسقط رأسه صعيد مصر، وعلى فترات يفتح البائع باب الفرن ليتحسس أيهم استوت، ويغرز فيها سكينته ويستخرجها من الفرن، وكأنه يستخرج قطعة ألماظ ثمينة من منجم مجوهرات، ويشقها بسكينته ليظهر اللون الماروني البرتقالي للبطاطا المستوية، ويتصاعد دخان البخار من قطعة البطاطا المنبعجة ليكون سحابة من المذاق الخيالي، وتفوح رائحة البطاطا لتسكر القلوب وتسيل اللعاب، ويرفعها عاليا لتثير اهتمام المارة، وتزغلل عيون السائرين، ثم يلفها في ورقة جرنال، ويناولها للمشتري الذي يراقب بشغف خطواته وقد سال منه اللعاب.
وتوالت بعد ذلك زياراتي لمحطة الرمل، والتي تختلف تماما في الشتاء عنها في الصيف، ففي الشتاء تذكرك بشوارع المدن الأوروبية التي نراها في الأفلام الأجنبية، بعبق تاريخها وخلو شوارعها وغزارة أمطارها.
ما أن تنتهي امتحانات أخر العام للمدارس بمراحلها المختلفة والجامعات، إلا وتبدأ محطة الرمل تكتظ بالزوار والمصيفين من شتى المحافظات بأزيائهم المختلفة وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم المتباينة، ومع غروب الشمس تتلألأ الأضواء والذي يزيد وهجها وتألقها نسيم البحر، الذي ينعش الروح ويرفع المعنويات، وتري مجموعات الشباب وهم يتحدثون بصوت عالٍ ويمرحون ويتبادلون النكات والتعليقات ويضحكون ويضربون كفا بكف، ثم يدفعون أحدهم بهزار وتتعالى ضحكاتهم أكثر وأكثر.
ثم تلمح فتاة محجبة تسير بخطوات جادة، وتحتضن ملفا بيدها اليمنى وتحمل في يدها اليسرى حقيبتها الصغيرة، وعيناها لا تفارق الأرض أمامها، ولا تعبأ بمناغشة بعض الشباب لها، وأخريات قد تناثر شعرهن وكأنه يعترض على قيود التصفيف، وهن يحملن في أيديهن كاسات الآيس كريم، وبدت مفاتنهن تتفلت من تحت الثياب.
وعند أكشاك الجرائد يقف شاب نحيف، ونظارته السميكة تنم عن إنسان مثقف محب للكتب والقراءة.
وتهب عليك بين الفينة والأخرى رائحة الفيشار، المنبعثة من أفران الفيشار، والتي يتهافت عليها وعلى ثلاجات الآيس كريم الأطفال والشباب من الجنسين.
وعلى ناصية الشارع يقف عسكري المرور كالمايسترو الذي يعزف سيمفونية موسيقية وفرقته تعزف سيمفونية أخرى، وهو يلوح بيديه وتبدو عليه علامات الضجر بعد أن تعالت أصوات كلكسات السيارات اعتراضا على طول الانتظار، ثم يبدأ رتل السيارات بعد أن تفتح الإشارة مختلطا مع ضجيج الترام سواء القادم استعدادا للوقوف أو المغادر تأهبا للحركة.
وعلى الجانب الآخر يتزاحم المصيفون بشورتات البحر على مطاعم الفول والفلافل مصطفين لأخذ دورهم أمام الكاشير، وما أن يأخذوا الكوبون إلا ويتجهون به إلى معد السندوتشات، والذي يلتقط الكوبون في حركة شبه آلية ودون أن ينظر إليهم، ويعد لهم السندوتشات ويضعها في كيس شفاف ويدفع بها إليهم في سرعة متناهية.
وتقع عينك على عجوز شمطاء تعبر الشارع وهي تحمل طفلا عاجزا قاصدة المستشفي الجامعي، وهي تتمتم بعبارات لا يعلمها إلا الله، وتفاجأ بمن يفترش الرصيف بملابسه الرثة ويتسول الناس، وآخر يجلس بجوار التليتوار سعيدا على كرسي خشب بملابس ويدين قد اتسخت من ألوان الورنيش، ويتزاحم حوله الناس من موظفي الحكومة (الطبقة الوسطى التي تتلاشى شيئا فشيئا) لمسح وتلميح أحذيتهم، ولا يخلو المشهد من ناس مصر الطيبين بعفويتهم وملابسهم الريفية البسيطة وهم يسألون أحد المارة عن مستشفى الميري فقد جاءوا لأداء واجب عيادة جارهم المريض ويحملون في أيديهم أكياس الفاكهة وخيرات الريف.
وكأن هذه المحطة هي مختصر وملخص للحياة، ففيها يجتمع الأغنياء والفقراء ولكنهم لا يمتزجان، كالإناء الذي يجمع الماء والزيت، يظل الزيت مكونا للطبقة العليا ويظل الماء في القاع يحمله ولا يمتزجان.
وإذا ركبت الترام ستقع عينك حتما ولابد على ملصق من الملصقات أو إعلان من الإعلانات من أمثلة علاج البواسير بالأعشاب بدون جراحة أو ألم!
أو إعلان عن علاج بالأعشاب لانقاص الوزن بمقدار عشرة كيلوجرامات في أسبوع!
وأنت في هذا الخضم ستلقي عليك بائعة المناديل علبة مناديل وهي تشتكي سوء معيشتها ومرض زوجها.
وعند نزولك ستجد على سور المحطة شغابيط بخط عبيط الذكرى الخالدة وقلبين وسهم وحرفين A..
د. ابراهيم مصري النهر
مصر المصغرة
كان يوم عودتي إلى قريتي أيام دراستي بالجامعة كل أسبوعين من أسعد الأيام وأحبها إلى قلبي، حيث لقاء الأهل والأصحاب والأقارب، والذين لا يحلو لهم السمر والسهر إلا معي، وفي مندرة منزلنا البسيطة، والتي كانت تمتلئ عن أخرها، منهم من يريد ان يريني علاجا كتبه له أحد الأطباء، ومنهم من جاء لأقيس له الضغط، وآخرين جاءوا لا حاجة لهم إلا الجلوس معي ومعرفة أخباري.
وفي صباح يوم خميس وبعد أسبوعين بعيدا عن أهلي، حملت حقيبتي وتوجهت إلى الكلية لأحضر محاضرة ثم أطير بجناحي الشوق والحنين إلى قريتي، وما أن علمت بإلغاء المحاضرة لسفر المحاضر، إلا وانطلقت أسابق السيارات في الشارع إلى محطة مصر، وفي الطريق ممرت بمحطة الرمل، وهناك نسيت استعجالي ولهفتي إلى القرية، فقد استهواني واستوقفني جمال محطة الرمل، وسيمفونية أصوات عربات الترام القادمة والمغادرة، وأصوات أبواب المحلات الجر التي تفتح مبكرا، والوقت الأكبر كان من نصيب أكشاك بيع الجرائد والمجلات، حيث قضيت وقتا طويلا أتجول بين أغلفة المجلات، وعناوين الجرائد، ولفت مكوثي الطويل نظر بائع الجرائد، والذي أنشدني إلى مكان ضالتي بشارع النبي دانيال حيث بائعي الكتب والمجلات القديمة بأسعار بخيسة، وأخبرني أنه يمكنني أيضا استئجار بعض الكتب لأقرأها وأردها وأسترجع ثمنها.
وما شد انتباهي في هذا اليوم شديد البرودة ألسنة اللهب وحلقات الدخان المتصاعدة من فرن البطاطا بلونه الأسود من أثر الهباب والفحم والذي يعلو عربة يدفعها رجل بشرته بلون طمي النيل، وشارب وعمامة وجلباب بأكمام واسعة، والتي تنم عن مسقط رأسه صعيد مصر، وعلى فترات يفتح البائع باب الفرن ليتحسس أيهم استوت، ويغرز فيها سكينته ويستخرجها من الفرن، وكأنه يستخرج قطعة ألماظ ثمينة من منجم مجوهرات، ويشقها بسكينته ليظهر اللون الماروني البرتقالي للبطاطا المستوية، ويتصاعد دخان البخار من قطعة البطاطا المنبعجة ليكون سحابة من المذاق الخيالي، وتفوح رائحة البطاطا لتسكر القلوب وتسيل اللعاب، ويرفعها عاليا لتثير اهتمام المارة، وتزغلل عيون السائرين، ثم يلفها في ورقة جرنال، ويناولها للمشتري الذي يراقب بشغف خطواته وقد سال منه اللعاب.
وتوالت بعد ذلك زياراتي لمحطة الرمل، والتي تختلف تماما في الشتاء عنها في الصيف، ففي الشتاء تذكرك بشوارع المدن الأوروبية التي نراها في الأفلام الأجنبية، بعبق تاريخها وخلو شوارعها وغزارة أمطارها.
ما أن تنتهي امتحانات أخر العام للمدارس بمراحلها المختلفة والجامعات، إلا وتبدأ محطة الرمل تكتظ بالزوار والمصيفين من شتى المحافظات بأزيائهم المختلفة وعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم المتباينة، ومع غروب الشمس تتلألأ الأضواء والذي يزيد وهجها وتألقها نسيم البحر، الذي ينعش الروح ويرفع المعنويات، وتري مجموعات الشباب وهم يتحدثون بصوت عالٍ ويمرحون ويتبادلون النكات والتعليقات ويضحكون ويضربون كفا بكف، ثم يدفعون أحدهم بهزار وتتعالى ضحكاتهم أكثر وأكثر.
ثم تلمح فتاة محجبة تسير بخطوات جادة، وتحتضن ملفا بيدها اليمنى وتحمل في يدها اليسرى حقيبتها الصغيرة، وعيناها لا تفارق الأرض أمامها، ولا تعبأ بمناغشة بعض الشباب لها، وأخريات قد تناثر شعرهن وكأنه يعترض على قيود التصفيف، وهن يحملن في أيديهن كاسات الآيس كريم، وبدت مفاتنهن تتفلت من تحت الثياب.
وعند أكشاك الجرائد يقف شاب نحيف، ونظارته السميكة تنم عن إنسان مثقف محب للكتب والقراءة.
وتهب عليك بين الفينة والأخرى رائحة الفيشار، المنبعثة من أفران الفيشار، والتي يتهافت عليها وعلى ثلاجات الآيس كريم الأطفال والشباب من الجنسين.
وعلى ناصية الشارع يقف عسكري المرور كالمايسترو الذي يعزف سيمفونية موسيقية وفرقته تعزف سيمفونية أخرى، وهو يلوح بيديه وتبدو عليه علامات الضجر بعد أن تعالت أصوات كلكسات السيارات اعتراضا على طول الانتظار، ثم يبدأ رتل السيارات بعد أن تفتح الإشارة مختلطا مع ضجيج الترام سواء القادم استعدادا للوقوف أو المغادر تأهبا للحركة.
وعلى الجانب الآخر يتزاحم المصيفون بشورتات البحر على مطاعم الفول والفلافل مصطفين لأخذ دورهم أمام الكاشير، وما أن يأخذوا الكوبون إلا ويتجهون به إلى معد السندوتشات، والذي يلتقط الكوبون في حركة شبه آلية ودون أن ينظر إليهم، ويعد لهم السندوتشات ويضعها في كيس شفاف ويدفع بها إليهم في سرعة متناهية.
وتقع عينك على عجوز شمطاء تعبر الشارع وهي تحمل طفلا عاجزا قاصدة المستشفي الجامعي، وهي تتمتم بعبارات لا يعلمها إلا الله، وتفاجأ بمن يفترش الرصيف بملابسه الرثة ويتسول الناس، وآخر يجلس بجوار التليتوار سعيدا على كرسي خشب بملابس ويدين قد اتسخت من ألوان الورنيش، ويتزاحم حوله الناس من موظفي الحكومة (الطبقة الوسطى التي تتلاشى شيئا فشيئا) لمسح وتلميح أحذيتهم، ولا يخلو المشهد من ناس مصر الطيبين بعفويتهم وملابسهم الريفية البسيطة وهم يسألون أحد المارة عن مستشفى الميري فقد جاءوا لأداء واجب عيادة جارهم المريض ويحملون في أيديهم أكياس الفاكهة وخيرات الريف.
وكأن هذه المحطة هي مختصر وملخص للحياة، ففيها يجتمع الأغنياء والفقراء ولكنهم لا يمتزجان، كالإناء الذي يجمع الماء والزيت، يظل الزيت مكونا للطبقة العليا ويظل الماء في القاع يحمله ولا يمتزجان.
وإذا ركبت الترام ستقع عينك حتما ولابد على ملصق من الملصقات أو إعلان من الإعلانات من أمثلة علاج البواسير بالأعشاب بدون جراحة أو ألم!
أو إعلان عن علاج بالأعشاب لانقاص الوزن بمقدار عشرة كيلوجرامات في أسبوع!
وأنت في هذا الخضم ستلقي عليك بائعة المناديل علبة مناديل وهي تشتكي سوء معيشتها ومرض زوجها.
وعند نزولك ستجد على سور المحطة شغابيط بخط عبيط الذكرى الخالدة وقلبين وسهم وحرفين A..
د. ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق