أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

عم يحيى صانع الشاي على ضفاف النيل وتحت شجرة وارفة الأوراق في مدينة القاهرة .... وماذا حدث؟

عم يحيى صانع الشاي على ضفاف النيل وتحت شجرة وارفة الأوراق في مدينة القاهرة.... وماذا حدث؟
هذا ما ستعرفه في هذه القصة الواقعية القصيرة، والرسم بالكلمات للدكتور ابراهيم النهر.
عم يحيى
عم يحيى
يوم الخميس الموافق 2019/10/3 استيقظت مبكرا وبعد صلاة الفجر توجهت إلى القاهرة لانهاء بعض الاجراءات من مصلحة حكومية، وهناك وبعد أن وصلت بصعوبة بالغة إلى مقر المصلحة المعنية في تمام الساعة العاشرة صباحا، بعد تنقلات بين المترو وزحامة والميكروباص واستغلاله، وعند الدخول اعترضني فرد الأمن بسترته الزرقاء وأشرطة الكتف وسألني عن بغيتي فأخرجت له الأوراق التي معي، فنظر فيها وقال: معاد دخولك الساعة الواحدة وهو يدفع بالأوراق إليَّ ويشيح بوجهه إلى شخص آخر ليعترضه مثلما اعترضني، ولم أجد مفر إلا الانتظار للساعة الواحدة، فخرجت أتمشى لأجد مقهى قريبا فأحتسي فنجانا من القهوة أو كوبا من الشاي أو هما معا فالوقت مازال طويلا، ولكني لم أجد ما أبحث عنه، وبالصدفة وجدت شجرة ضخمة على النيل وارفة الأوراق وتحتها يجلس بعض الناس على مقاعد من البلاستيك، والبعض الأخر يفترش بعض أوراقه، ومنهم من يجلس على درابزين الشاطئ، وكلهم يلتفون حول طاهي الشاي، وهو رجل كبير فى السن ولكنه مازال يتمتع بصحته وحيويته، رفيع البنية، أسمر البشرة، ليس بالطويل ولا القصير، ابيضَّ شعر رأسه ولحيته وشاربه، يكسو وجهه ابتسامة رضا وقناعة قد لا تراها على وجوه أصحاب المليارات، يرتدي تي شيرت أبيض وبنطالون جينز أسود وكوتشي.

نظرت إلى عدته فوجدتها أكواب ورقية (سينجل يوس)، والماء في جرَّات بلاستيكية شفافة ويبدو من خلالها عذبا، والمكان من حوله نظيفا فقد أعد أكياسا لجمع الأكواب المستعملة.
فجلست على الدرابزين وقررت أن أشرب كوبا من الشاي من يد هذا الشيخ النظيف الحكيم ذو الذكاء الاجتماعي، والتي تبدَّت حكمته وذكاؤه لي من طريقة تعامله مع زبائنه، فلا تكاد تسمع صوتا عندما يأتي اليه الزبون ليطلب طلبه وكلهم من المنتظرين مثلي جاءوا من محافظات مختلفة، فلا ترى منه إلا إبتسامة عذبة مع جملة (شايك ايه).

أما فئة السائقين ومرتادي المكان والأوجه المليئة ب (البشل) فلا يسألهم عن مشروبهم بل يتقدمون ليصنعوه بأيديهم، وهذا أراه من أَجَلِّ صور حكمته وذكائه.
شربت الشاي بنسيم النيل المنعش وأنا أرقب هذا العجوز وهو بين الحين والآخر يتجول في المكان ليجمع القمامة، ويسكب ما تبقي في أكواب الماء عند جذع الشجرة.

لقد مكثت ثلاث ساعات من الوقت لم أشعر بها بفضل هذا الشيخ الذي أبهرني نشاطه وجماله وقناعته وقبل كل هذا حكمته وذكاؤه، واتقانه لعمله فقد احتسيت من يديه التي بلون طمي النيل فنجانا من القهوة لن أنس طعمه ما حييت،
فبارك الله في عمرك وعملك يا عم يحيى فقد كنت الجانب المضئ في هذا المشوار.
وفي تمام الساعة الواحدة أخرجت حافظة نقودي وأعطيت عم يحيى إجمالي حساب المشاريب، وذهبت مهرولا إلى مبنى المصلحة لأجد نفسي في مؤخرة طابور طويل، ليبدأ الجانب الآخر من المشوار.

تستيقظ مع بزوغ الفجر وتسافر مئات الكيلومترات إلى العاصمة حيث المصالح الحكومية المركزية لإنهاء مصلحة ما، وهناك وبعد أن تقف في طابور طويل أغلبهم من المدخنين، وبعد أن يتبادلك المتلقفون الانتهازيون من سائق تاكسي وصاحب كشك به ماكينة تصوير بجانب المصلحة وبنت في كانتين في ركن جانبي داخل المصلحة ترتدي المحزق والملزق وقد لونت وجهها بعلبة ألوان فلوماستر وقد أزالت حاجبيها وأبدلتهما بخطين أسودين تبيع الكنز وزجاجات المياه المعدنية بأسعار سياحية وتحت مظلة الحكومة، لتنتهي بعد كل هذا الاستنزاف النفسي والصحي والوقتي والمالي إلى كونتر موظف الإستقبال بزيه المعتاد قميص أزرق ورابطة عنق حمراء ومن أمامه شاشة الكمبيوتر وأصابعه تعبث بالماوث وأزرة الكيبورد، فتلقي عليه السلام وأنت تعطيه ما معك من أوراق من الفتحة المخصصة لذلك، ولا تدري إن كان قد رد عليك السلام أم لا، فهو لم يلتفت إليك أصلا، وبعد نظرة سريعة في الأوراق تجده ينظر إليك بقرف واشمئزاز ويطلب منك طلبا تعجيزيا ليس له إلا معنًا واحد وهو فوت علينا بكرة يا سيد، أو في ظل كاميرات المراقبة تضع له بين طيات ملف أوراقك ورقة من فئة المائة جنية، وتكتمل ضبابية المشهد في موقف عبود، عندما تجد عجزا في وسائل المواصلات أمام الأعداد الغفيرة من الركاب، ما يجعلك ترضخ لمضاعفة الأجرة ومضاعفة عدد ركاب السيارة.
د. ابراهيم مصري النهر

هناك تعليق واحد: