أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

ندوب في جمال الذكريات

ندوب في جمال الذكريات
ندوب في جمال الذكريات
كنت صغيرا وقبل أن أدخل المدرسة، وكان من ألوان النذور المختلفة أن تنذر ليلة لوجه الله، كأن تقول لو رزقت ولدا أو شُفِيَ مريضا سأنذر ليلة لوجه الله، وكان النذر على رز بلبن أو لحم ومرق كلٌ حسب امكانياته أو كليهما وهناك من كان يفعلها كعادة سنوية كأبي.
وفيها كان يُدعا كل أهل العزبة للعشاء، ومن عادات البدو أنهم يتجاورون كعزوة ولا يسمحوا لغريب أن يعيش بينهم فكانت العزبة كلها اخوة وأبناء عمومة.
وكان من بين أبناء عمي ابن عم ولكنه في سن أبي وكان محبوبا من الجميع، وكان صاحب أبي الأنتيم، وكان له دورا كبيرا في إحياء هذه الليلة، فكان يفرش الدهليز بالحصير السمار ومع آذان المغرب يشعل الكلوب، وعندما يبدأ الجيران في التوافد إلى البيت يبدأ ابن عمي هذا في رص الأطباق على الطبالي (طبليتنا وطبالي الجيران المستعارة).

وعند وصول محييو الليلة بدفوفهم يتناولون اللحم بالفتة ويحتسون المرق ويمسحون شواربهم بأيديهم ويفركونها ببعضها فتلمع مع ضوء الكلوب، ثم يحتسون الشاي وهم يلفون أوراق بفرتهم، ويدعون بالبركة لصاحب البيت وألا يقطع الله له عادة.
ويشعل ابن عمي نارا لتدفئة الدفوف ثم تبدأ حلقة الذكر بما فيها من ضحك ومرح وخرافات وخزعبلات، فيقوم أحدهم بالوقوع على الأرض ويصدر أصواتا غريبة واللعاب يسيل من فمه، ويأتي كبيرهم لإفاقته ويقول لا بأس لا بأس لقد حضرت جلالته، وبعد أن يفيق يُفَرق الرز بلبن على الحاضرين ويُرش حصى الملح لإذهاب العين والحسد بزعمهم.

وفي الصباح يصطحبني أبي معه إلى الغيط وفي الطريق يسردان هو وابن عمي ما حدث بالليل ويضحكان، وكان ابن عمي هذا شابا وسيما خَلْقا وخُلُقا، وكل العزبة كانت تحبه لخفة ظله.
قد جاءه أكثر من طلب للتقدم للتجنيد ويتخلف، ولكنه في مرة من المرات قرر أن يتقدم لأداء الخدمة العسكرية، وسلم على الأهل والأقارب وودع الجميع، وبات ليلتها عندنا ومع بزوغ الفجر قبلني وقبَّل أبي مودعا ومتوجها إلى منطقة التجنيد ومنها تم ترحيله إلى مركز تدريب الأمن المركزي بالقاهرة، ومرت الأيام ولا نعرف عنه شيئا ولا نعرف له مكانا، إلى أن جاءت إشارة بعد خمسة وعشرين يوما إلى مركز الشرطة ومنها إلى عمودية القرية في ليلة سوداء متأخرا وطرقوا باب الدار بعنف ففزعنا واستيقظ أبي وهو يقول (خير اللهم اجعله خير) ولكنه لم يكن خيرا، كانت الإشارة مفادها أنه قد سقط مغشيا عليه أثناء التدريب ومات، وعلى أبيه وأعمامه الحضور لاستلام جثمانه.

كان خبرا كالصاعقة على قلوب أهل العزبة وعلى قلب كل من كان يعرفه، ورأيت أبي يبكي وينهنه كالطفل، وتضاربت الأقاويل حول سبب وفاته، ولكنه قد مات وترك فراغا كبيرا وحزنا دفينا في القلوب، فلقد ترك أبي بيتنا بدون أن يُبيض بالجير حتى هُدِم لأن ابن عمي هو الذي كان يبيضه بالجير ويرسم قلبا كبيرا ويكتب بداخله اسمه، واحتفظ بعلبة من الصفيح كنا نضع فيها السكر لأن ابن عمي قد كتب عليها اسمه كذكرى، وسمَّى أخي الأصغر باسمه.
إنه سعدالله سعيد ابراهيم النهر رحمه الله تعالى رحمة واسعة وغفر له واسكنه فسيح جناته، وأحسبه من شهداء الوطن ولا أُزكي على الله أحدا.

د. ابراهيم النهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق