أول كشف لي
بعد ما انتهيت من امتحانات السنة السادسة في كلية الطب وهي سنة (دوبل) تبدأ من سبتمبر وتنتهي في ديسمبر من العام التالي، فتأتي علينا فترة ثلاثة شهور يكون فيها سنة سادسة قديمة وسنة سادسة حديثة، وأصبحت طبيبا على الورق، أو بمعنى آخر طبيبا نظريا، وإن كنت قانونيا مازلت غير مصرح لي بالعمل كطبيب، فتصريح مزاولة المهنة بعد سنة الإمتياز، ولكني فوجئت بطلب أحد زملائي مني بالعمل في إحدى المستشفيات الخاصة (شيفت نايت) من الثانية صباحا حتى الثامنة صباحا بثلاثين جنيها على ما أتذكر، فقلت له ولكني لم أعمل بهذا العمل قبل ذلك، فأعطاني كتابا به بعض الأعراض وكيفية التعامل معها وأسماء الأدوية المناسبة لها، وقبلت أن أذهب ولكن كلما كان يقترب الوقت من الساعة الثانية كان يزيد توتري وقلقي، وفي تمام الساعة الواحدة ارتديت ملابسي وشربت كوب شاي وركبت من محطة مصر المشروع الموصل لهذا الحي ونزلت أمام المستشفى، وأنا متردد ومتوتر جدا فلأول مرة سأكشف على مريض وأتخذ قرار مصيري ولن يراجعه أحد بعدي، ولكن كالعادة وكما يحدث مع كل طلبة الطب الريفيين فمنذ ظهور نتيجة الثانوية العامة وقبل حتى ظهور نتيجة التنسيق يلقبون بالدكتور (الدكتور ذهب الدكتور أتى)، مما يحثك على تعلم بعض الممارسات في السنوات الأولى من الكلية كقياس ضغط الدم واعطاء الإبر العضل والوريدية وتركيب الكانيولا.
وعندما يمرض قريب أو جار لك وتذهب لعيادته تُقام لك لجان امتحانات من مدعيّ الثقافة، ويبدأون في اطلاق وابل الأسئلة صوبك في الوقت الذي أنت مازلت فيه لم تدرس طبا ولكنك تمهد لدراسة الطب الذي يعنوه، تدرس مواد أكاديمية بحتة كالتشريح ووظائف الأعضاء والأنسجة والخلايا وغيرها، كأن يسألك أحد المتفلسفين ما الفرق بين السكر في البول والسكر في الدم؟
ووقتها يكون هذا السؤال شكله وجيها بالنسبة لك، ولكنك لا تعرف إجابته وتتلجلج في الكلام فيبدأ هذا الفيلسوف في الإجابة ويجذب إليه أسماع الحاضرين كأن يقول أن السكر في البول أقل خطورة من سكر في الدم، فالأول تبرأ منه تماما ولا تحتاج إلى علاج دائم، وكأن هناك فرق علمي فعلا بين وجود السكر في البول والدم، ومازالت رواسب هذه الأكاذيب نواجهها في عيادتنا إلى الآن، والحقيقة هي أن السكر عندما يرتفع في الدم يظهر في البول.
أو عندما يفتي آخر بأنه لا داعي لعمل عملية جراحية لمريض الصفراء الإنحباسية والتي تسببها حصوة في القناة المرارية، متعللا بأن قريب له كان عنده الصفراء وذهب إلى فلان فكوّاه على عضده وبرأ منها تماما، ثم ينظر إليك ويوجه إليك سؤلا تقريعيا (وللا ايه رأيك يا دكتور؟)
وأنت مازلت لم تكتمل عندك الصورة بعد، مازلت لا تعرف ما الصفراء وما أنواعها وما العلاج المناسب لها وما دور الكي في شفائها؟؟؟
كل ذلك وأكثر يواجهه طالب الطب الريفي، مما يجعله يتندي جبينه خجلا أنه لا يعرف وهو الطالب المتميز ومن أوائل مركزه في الثانوية، ويجعله يلوم نفسه ويُؤنبها، ظانا أنه تقصيرا منه لنكتشف أننا مازلنا بعد السنة السادسة جهلاء الرد على مثل هذه الأسئلة وأن رحلة المعرفة الحقيقية تبدأ بالإحتكاك الذاتي مع المرضى، تحت شعار علم نفسك بنفسك في سنة الإمتياز.
ورجوعا إلى شيفت النايت الذي كنت بصدده، دخلت المستشفى وعرفت موظف الاستقبال بنفسي فرحب بي وعرفني على الممرضة التي معي والتي خففت من روعي، ووعدتني بالمساعدة إذا احتجت.
ودخلت الغرفة الخاصة بالأطباء وأنا ألهث بالدعاء أن تمر الليلة بسلام ولا تأتي حالات، وفي تمام الساعة الرابعة صباحا رن التليفون، رفعت السماعة ولسان حالي يقول استر يا رب فإذ بموظف الإستقبال يقول حالة يا دكتور.
فوجدت جسمي كله يرتعد ولبست البالطو وأنا أنتفض ومرتبك ولكني أحاول أن أتماسك، وأبحث عن نظارتي في أرجاء الغرفة لأجدها بعد فترة من البحث فوق عيوني.
وذهبت مسرعا لأخفي ارتباكي، ويظنه المرافقون أنه إهتمام بحالتهم، لأجد فتاة في العشرين من عمرها، وملامح وجهها تكاد أن تختفي بسبب الورم الشديد، وتشتكي من صعوبة في التنفس، وهرش بالجسم مع ظهور بؤر حمراء في الجلد، وعند قياس ضغط الدم وجدته منخفض، ومن كلام المرافقين عرفت أنها أخذت قرص علاج من ساعة تقريبا.
فشخصت الحالة على أنها حساسية عقار، وأعطيتها أمبول ديكسا وأمبول أڤيل، وبَدَأَتْ الحالة في التحسن وبَدَأَتْ معها الثقة بالنفس تدب فيَّ.
وهذا التوتر والقلق قد يكون بسبب أنها أول حالة أكشف عليها وبسبب المبالغة في دراسة الآثار الجانبين للأدوية!!
...ربما!!!!
فإلى الآن أجد أطباء وفي فترة النيابة يتردد أن يعطي مريضا أمبول ديكسا لأعراضه الجانبية برغم أنه قد يكون مهمَّا للغاية، فقد يكون سببا في انقاذ حياة مريض.
د. ابراهيم النهر

أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد
ردحذفخالص تحياتي