واحد أبريل .... قصة تحاكي الواقع نسجها بخياله وصاغها بقلمه دكتور ابراهيم النهر
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، وما قرأت إعلان مسابقة عن عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة فيها، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، والعرق الذي ينبع من جبهتي، وأدفع به خجلي الذي تنطلي به سحنتي، كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر، ولكن في الحقيقة الذي كان يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.
وبعد أن يأست ورضخت مستكينا تحت صخرة الواقع، وأفقت شيئا ما من نشوة خمرة الشباب وأحلامي الوردية، فقد مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف.
وبدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليل في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد بالشئ الفلاني، وكنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، فسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، فأجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي ظننتها عجزا ويأسا فقد كنت غِرا ولا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، حيث قال: وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.
وبدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم، وأثناء البحث عن عمل، استيقظت مبكرا وكان الجو مشمسا، وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر وكنت قد أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت وإلى أن جاء المساء كنت قد شربت أربعة كئوس شاي، وحجرين معسل.
وفي طريق عودتي إلى البيت اصطدمت بعبد الفتاح والذي عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
ودون أن يمهلني أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
فقال عبد الفتاح: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك والتي كانت قد أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
فقلت: بجد ..!! لا لا ..!! أنت تمزح........!!
قال: بجد وها هو اسمك في الجريدة.
فقلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد كنت فقدت الأمل في هذه الوظيفة.
وكانت بداخلي رغبة خفية وجارفة في أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، ولكني كنت ما زلت في الشارع.
وعدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراتي أنا عايز أخدكوا في أحضاني.......»
وفتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، لأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، وبدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، والغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.
وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كعادتي كل ليلة، فكانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم النهر
واحد أبريل
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وحصلت منها على البكالوريوس في العلوم التجارية بتقدير جيد جدا، واظبت على قراءة الجرائد اليومية، وما قرأت إعلان مسابقة عن عمل في القطاع العام أو الخاص إلا وسارعت بتقديم شهاداتي والأوراق المطلوبة فيها، بغية أن أحظى بعمل يحفظ ماء وجهي، والعرق الذي ينبع من جبهتي، وأدفع به خجلي الذي تنطلي به سحنتي، كلما طلبت من أبي مصروفا بعد أن صرت خريج الجامعة، برغم إنه لم يشتك أو يتذمر، ولكن في الحقيقة الذي كان يشتكي ويتذمر هو قلب الشباب وقوته المعطلة بداخلي.
وبعد أن يأست ورضخت مستكينا تحت صخرة الواقع، وأفقت شيئا ما من نشوة خمرة الشباب وأحلامي الوردية، فقد مرت الأيام وتعاقبت الشهور ولا حس ولا خبر عن مقابلاتي الكثيرة التي قمت بها في الشركات ومكاتب التوظيف.
وبدأت أصدق قول الصديق عبد الفتاح الذي قابلني يوما وأنا أحمل شهاداتي، ومسوغات التعيين، وملفات سهرت الليل في ملئ فراغاتها واستكمال بيناتها، ودمغات وطوابع بريد بالشئ الفلاني، وكنت مطلقا العنان لقدميَّ مخافة التأخير، فسألني عن وجهتي وسبب استعجالي، فأجبته بنفس يلهث وكلمات متلاحقة، لألحق التقديم في مسابقة عمل، فقال قولته التي من فرط تفاؤلي ظننتها عجزا ويأسا فقد كنت غِرا ولا أعلم واقع مجتمعنا الأليم، حيث قال: وهو يبتسم ابتسامة محبط ”لا يحصل على وظيفة في بلدنا إلا المدعوم أو الراشي أو العضو في الحزب الحاكم“.
وبدأت أبحث عن عمل في أي مجال ولو نادل في مقهى أو كاشير في مطعم، وفي يوم، وأثناء البحث عن عمل، استيقظت مبكرا وكان الجو مشمسا، وأخذت أمر على المقاهي والكافيهات والمطاعم أتسول عملا، وبعد آذان العصر وكنت قد أضناني المشي جلست على إحدى المقاهي أقطع الوقت وإلى أن جاء المساء كنت قد شربت أربعة كئوس شاي، وحجرين معسل.
وفي طريق عودتي إلى البيت اصطدمت بعبد الفتاح والذي عانقني وشد على يدي وهو يهنئني بقوله ألف ألف مبارك يا صديقي العزيز والله فرحت لك كثيرا.
ودون أن يمهلني أن أرفع حاجبيَّ دهشة، أردف قائلا: ما بك يا رجل؟ كأنك لا تعلم ما حدث.
قلت له: لا..... لا أعرف ما حدث.
فقال عبد الفتاح: لقد شذيت عن القاعدة، وظيفة محاسب في بنك والتي كانت قد أعلنت عنها وزارة المالية منذ سنتين، تصور أنت الأول من بين ألف مرشح من جميع محافظات البلد، لقد قرأت اسمك في صحف هذا الصباح، والله إنك تستحقها.
فقلت: بجد ..!! لا لا ..!! أنت تمزح........!!
قال: بجد وها هو اسمك في الجريدة.
فقلت: الله يبارك فيك، ويبشرك بالخير، لقد كنت فقدت الأمل في هذه الوظيفة.
وكانت بداخلي رغبة خفية وجارفة في أن أصفع نفسي، فقط لأتأكد إني لا أحلم، ولكني كنت ما زلت في الشارع.
وعدت إلى البيت مهرولا وأنا أدندن في أغنية العندليب الأسمر «ياصحابي يا أهلي يا جيراتي أنا عايز أخدكوا في أحضاني.......»
وفتحت الباب وعلى مرآة الحمام حلقت ذقني، وتناولت ساندويتشا خفيفا، وقبل أن أستلقي على السرير وأضع رأسي على المخدة، لأستيقظ مبكرا لأتسلم مقاليد عملي الجديد، أشعلت التلفاز كعادتي، وبدأت أتسلى بالتنقل بين قنواته، والغريب أن الأخبار كلها كانت سارة ومفرحة!
أين اختفت أخبار الحروب والمجازر والزلازل والبراكين والفيضانات والأمطار والأعاصير؟!
فكان ولابد أن أصفع نفسي هذه المرة، وعندما تأكدت أني لا أحلم، أخذت أدندن، وداعا للبطالة، وداعا للرشوة، وداعا للمحسوبية، وداعا للفساد، وداعا للحروب، وداعا للكوارث الطبيعية.
وعندما أوشكت على النوم وقبل أن أطفئ ضوء الغرفة مددت يدي لأنتزع ورقة من النتيجة التي على الحائط بجانبي كعادتي كل ليلة، فكانت الصدمة والمفاجأة الغير سارة بالمرة، كانت ورقة النتيجة اللعينة تشير إلى واحد أبريل.
د. ابراهيم النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق