أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

فضفضة طريق

فضفضة طريق
فضفضة طريق
وجدته في الصباح الباكر لأحد أيام الشتاء مرتديا بالطو خفير سقطت بعض أزرَّته، ربما  تصدق عليه به أحد الجيران، أو  يكون اشتراه من الباعة الجائلين الذين يبيعون المستعمل، وكان يحمل في يده صرة بها غداءه، رغيف خبز وقطعة جبن وبصلة، ومنتعلا حذاء من البلاستيك  تحمَّل بطين الطريق الذي خلفه المطر، وقد شمر ذيل ثوبه بيده الأخرى ويجتهد قدر المستطاع لتفادي بقع المياه التي امتلأ بها الطريق، وأظنه لم يسمع صوت السيارة،  كان يغطي رأسه وأذنيه ب كوفية  ورثها عن أبيه، ولكني لم أستخدم آلة التنبيه مخافة أن يُفزع وينزلق في الطين، وعندما اقتربت منه أكثر سمع الصوت وأخلى الطريق منحرفا إلى اليمين.
بمحاذاته أوقفت السيارة، فنظر إليّ من خلف الزجاج الذي ما زالت بعض قطرات المطر عالقة به، وعلت ملامح وجهه التي شابتها التجاعيد ابتسامة، ملت إلى الجانب الآخر بجذعي وجذبت الأوكرا، ربما لا يعرف كيف يفتح الباب، وما أن فتحت الباب حتى أخذ لسانه يلهج بعبارات الشكر والثناء والمديح والدعاء لي، ويعتذر عن عدم الركوب بحجة أن ما يحمله حذاؤه من طين ستتسخ به السيارة، ومع إلحاحي عليه ركب بعد أن مسح حذاءه في عشبة جافة على حافة الطريق.
ودار بيننا حوار بدأْته بسؤال عن حاله، فاسترسل في حديث أدمى قلبي، وكأني أنا المتنفس الذي ينشده والحبل الذي أنهكه البحث عنه لينشر عليه همومه التي عطَّنت من كتمانها، وأنا أتأمل التجاعيد  التي غزت بلا هوادة ملامحه الجميلة وعينيه الغائرتين اللتين ما زالتا خضراوين تعكسان طيف قلبه وتحملان شيئا من براءة الطفولة، واستشعرت بقلبي ما ينوء به كاهله المحمل بجبال من الأعباء قد أحنت ظهره، وصدره الضائق بشكوى حبسها بداخله لعدم وجود من يفضفض معه.

أخذ يسرد عن الخفير والمُخبِر والمُحضَر والمُحصِّل الذين لم يرحموا باب داره من الطرق يوما، ثم انخرط في البكاء وكأن بركانا إنفجر، وهو ينهنه ويتمتم بعبارات توقظ الضمائر النائمة، قائلا: -لقد تركنا لهم الحكم والسلطة والمناصب والسياسية بغية أن يتركوا لنا أحذيتنا البالية وأثوابنا المرقعة، أن يتركوا لنا رغيف الخبز وعود الفجل وقطعة الجبن والبصلة، لكن لا فائدة، لا مكان لأجير مثلي في هذا البلد، ونزل وهو يكررها ويبتعد شيئا فشيئا حتى اختفى خلف المطر.
د. إبراهيم مصري النهر

هناك تعليق واحد: