محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مرسى مطروح بقلم دكتور ابراهيم النهر
محطة الأوتوبيس ورحلة إلى مطروحبعد انتهاء امتحانات السنة الثالثة بكلية الطب، وفي ليلة من ليالي الصيف القمرية، كنت أجلس مع ابن عم لي على الرملة التي بجوار مسجد القرية، وقررنا أن نسافر إلى مطروح ونلحق بأخي الذي يعمل هناك بعد أن أنهى امتحاناته بكلية الآداب، ونكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد، فمنه فسحة ومنه عمل.
وفي الصباح الباكر حملنا حقائبنا وسافرنا إلى الإسكندرية، وفي محطة أتوبيس مطروح كان الفقراء المسافرون يضج بهم المكان ويرفعون أعناقهم مثل الإوَزّ مع وصول كل أوتوبيس ليروا رقمه ولافتة اتجاهه، ونظراتهم نظرات من يخاف أن يضيِّع شيئا ما، وقد علقوا حقائبهم ذات السوستات الخربة في أكتافهم ويظهر منها جهاز راديو ببطاريات، وما بين لغط مكبرات الصوت وضوضاء الأتوبيسات والباعة الجائلين (أي حاجة بجني) يخافون أن يضيعوا رحلتهم الخاصة، والذين ينامون على الدِّكَّات يستيقظون فزعين وجاهزين للانقضاض.
ما أبشع صورهم التي تجمع بين الرهبة والصبر والخضوع، ما أخبث رائحتهم وهم بعد ما زالوا على مسافة، لا يحسنون التصرف بحضور الناس، ولك أن تتخيل أصابعهم التي صُبغت بالنيكوتين وهي تفرك العيون الحمراء، على الأرصفة يمضون ويعودون، يقفزون ويؤمنون الحقائب والطرود، يطرحون أسئلتهم الوقحة في الشبابيك، ويهمسون بكلمات ملغزة، ويتأملون أغلفة المجلات في حالة ذهول، ويرمون بمخلفاتهم وبقايا طعامهم بجوار جدران المحطة.
الفقراء لا يعرفون الطريق إلى صالون الحياة، بذلك المضي وتلك العودة، وتلك الثياب غريبة الأطوار بروائحها المزعجة، وتلك الحمرة الفاقعة للمهرجان الشعبي، ولحديقة الملاهي، وعلى شواطئ البحر صيفا، وعلى ضفاف النيل في شم النسيم، مناظر تتأذى منها العيون، والباعة الجائلون الذين يعوقون حركة المارة، و........، و........
الفقراء لا يعرفون كيف يسافرون وإن كان الأغنياء يسافرون جالسين، وهم يسافرون واقفين، ولا يعرفون كيف يلبسون، وأيضا لا يعرفون كيف يعيشون، ولا حتى كيف يموتون؟
يكاد يكون موتهم دائما بشعا ومزعجا.
وما إن وصل الباص إلا وتكدسوا على الباب ويدفع بعضهم بعضا ويشد بعضهم بعضا، برغم أن التذاكر مرقمة بترتيب الكراسي، ولكنهم تعودوا على الزحام على كل شئ، على أرغفة العيش، على اسطوانات الغاز، على حجز التذاكر، في استخراج جواز سفر، في استخراج بطاقة، في عمل فيش، في دفع رسوم، في عيادات المستشفى، في أي مصلحة قد تخطر لك على بال، فصار التزاحم للتزاحم سمة من سمات هذا الشعب.
ثم انطلق الباص يخترق الصحراء، ويطل علينا البحر ولا يلبس يختفي خلف كسبان الرمال، وأدار السائق الكاسيت الذي يصب على أسماعنا نغمه عبر السماعات التي تعلو كل كرسي، وأخذ الباص يسبح في كلمات مأمون الشناوي ولحن بليغ حمدي وشدو كوكب الشرق أم كلثوم ورائعة (أنساك).
وقد أزحت الستارة البنية من على زجاج النافذة، وسرحت مع هذا الجو في الصحراء الشاسعة كراعي الأغنام والإبل الذي يقطع كل فترة وحشة الصحراء بخيمته وبعض شجيرات التين من حولها تؤنسها، وسيدة بزيها البدوي وحزامها الأحمر وتحمل على رأسها جرة ماء وخلفها صبية يحمل كل واحد منهم قارورة ماء.
وكان لا يشوه جمال اللوحة الطبيعية إلا أصوات هؤلاء الذين راحوا يغطون في نوم عميق، ولا يقومون إلا ليخرجوا سندوتشات السدوق أو البيض والبصل ويتخللها طرشقة زجاجات الماء وهم يشربون، ثم يتجاءشون، وينامون، فقراء لا يعرفون كيف يتمتعون!!!
وصلنا عصرا فاتجهنا إلى البحر لأجده بحرا مختلفا عما رأيت من بحار، بحرا قد عُجِن بضوء الشمس، ماؤه يتلألأ كالفضة، ورماله بِكر كأن لم تطأها قدم من قبل، وهواؤه كأنه ماء بارد يروي الظمآن.
رحلة استمتعت بها كثيرا على الرغم من أنني لم أجد فيها عملا يناسبني، فكل أعمالها كانت في المعمار.
ويظل البعض للأسف ممن لا يعرفون كيف يتمتعون يذهب إلى هناك بظمئه ودرنه ويعود بهما إن لم يكونا قد زادا.
عند الوصول أخذنا جمال المنظر حتى نسينا ما جئنا من أجله، و لم ينبهنا له إلا لون شفق الغروب الذي بدا لنا على صفحات مياه البحر الهادئة، فارتدينا ملابسنا بسرعة، وتذكرنا وقتها إننا غرباء ولا مأوى لنا في هذا البلد.
لم يكن جهاز الموبايل قد أُختِرع بعد، وكل ما نعرفه عن عنوان أخي مجرد خطوط عريضة لا تصل بنا إلى مكان سكنه بالتحديد، ذهبنا إلى المنطقة التي يسكن بها ولكننا لم نصل إلى نتيجة، وقابلنا أحد الأشخاص الذي استضافنا للمبيت عنده، وقال: إننا بهذا العنوان كمن يبحث عن إبرة في كوم قش، ونصحنا بأن نذهب في الصباح الباكر إلى شارع الإسكندرية فقد نتقابل معه هناك، وبالفعل قمنا مع بزوغ الفجر وتوجهنا إلى هناك، وبعد أن كاد اليأس أن يتسلل إلى نفوسنا لمحت أخي من ظهره يخرج من سوبرماركت، فوثبت واقفا وهرولت إليه قبل أن يبتلعه زحام الشارع، وبعد أن تبادلنا الأحضان والقبلات والسلامات الحارة اصطحبنا معه إلى مكان عمله ثم سكنه، وأخبرنا أنه لم يخرج لهذا الشارع منذ أسبوع، ونادرا ما يأتي إليه، ولكن شيئا ما جعله يخرج ليتبضَّع منه للفطار اليوم، سبحان الله لنجدا الإبرة في كوم القش.
ومرت الأيام ولم نجد عملا إلا في المعمار، فاقترح ابن عمي لو نصنع شايا على الكورنيش، فوقعت الفكرة من نفسي بمكان فبادرنا في تطبيقها، وكان ابن عمي خجولا جدا فيصنع الشاي ويخجل أن ينادي ليجذب انتباه الناس، فكنا نصنعه ونجلس لنشربه، وعندما جاء نحونا أحد المارة واستبشرنا خيرا كان يريد أن يشرب ماءً.
وكنا كمن جاء ليبيع الماء في حارة السقايين، وعدنا في المساء نجر أذيال الخيبة، وأفنينا ما معنا من سكر وشاي على بطوننا، وإلى الآن عندما أتقابل مع ابن عمي الخجول نذكرا القصة، والرجل الذي فرَحْنا بقدومه نحونا، فخذلنا وكان يريد أن يشرب ماءً، ونضحكا.
د. ابراهيم النهر
أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد
ردحذف