أحدث المواضيع

أحدث المواضيع

إعلان خاص

عيـادة السيد الدكتور : ابراهيم مصري النهر ...عنوان العيـادة : البحيرة – الدلنجات - أمام المستشفى العام.. و الحجز مسبقاً .. مع تمانياتنا للجميع بالشفـاء العاجل .

بائع الفاكهة وحفيده

بائع الفاكهة وحفيده... قصة واقعية بقلم دكتور ابراهيم النهر
بائع الفاكهة وحفيده

استوقفني أثناء عودتي من العيادة الساعة العاشرة مساءً عند جسر من الجسور وتحت عمود إنارة مشهدا لرجل كبير في السن، يرتدي بالطو أسود، ويلف حول رأسه شالا أبيض، ويجلس القرفصاء ويخبئ يديه ما بين فخذيه وبطنه من شدة البرد، وأمامه قفصين أحدهما برتقال والآخر يوسفي، وخلفه سباطة موز معلقة على إحدى خشبات عشته والتي قد افترش أرضيتها بحصير بلاستيك أزرق متهالك، وملقى عليه شيكارة مملوءة بالقش كوسادة، وبطانية صوف مقلمة، خطوط بيضاء وبني بالتبادل، من تلك التي كانت تصنع يدويا من أوبار الجمال وأصواف الأغنام،  ذات الملمس الخشن، والتي تترك بعضا من شعرها على ملابسك بمجرد أن تتغطى بها.
سألته وهو يزن لي الفاكهة، ألا تبرد يا عمي وأنت تنام هكذا في الخلاء؟
فأجاب بابتسامة يكسوها الرضا: (يا بني ربنا حنين وكريم ورحيم بعباده ويرسل البرد على قدر الغطا، بمجرد ما أدخل تحت الباطنية القديمة وأنكمش في بعضي أشعر بدفء لم أشعر به في غرفتي المغلقة وعلى سريري)
فقلت له: سبحان الله، والله إني لأتغطى بثلاث بطاطين وأشعر بالبرد ينخر في عظامي.
فقال لي: ماذا تعمل؟
قلت: طبيبا
فقال: ألا ترى أن الفقير يُشفى بقرص ريڤو من الصيدلية، في حين أن الغني يذهب إلى الطبيب ويدفع قيمة الكشف، ويطلب منه الطبيب عمل تحاليل وأشعة ثم بعد ذلك يكتب له وصفة العلاج، وينفق ما لا يقل عن الألف جنيه، وهنا تتجلى رحمة الله بعباده، وهو يهز رأسه.
ثم انتزع كيسا أسود من رزمة الأكياس المعلقة بجانبه، ثم أخذ يضع فيه ما يزن من الفاكهة، وواكب ذلك مجئ طفل ابن العاشرة من عمره يرتدي آيس كاب وهو يحمل قارورة ماء قد ملأها من بيت مجاور ودخل بها العشة ووضعها وهو يتمتم بكلمات لم أسمع منها إلا كلمة جدي، وتدثر بالبطانية وأمسك بكتاب وأخذ يحقق ويمقق على ضوء عمود الإنارة الخافت. فقلت له: من هذا؟ وماذا يفعل؟
فقال: هذا حفيدي محمد قد مات والده وتركه واخوته، ويأتي كل يوم بعد المدرسة ليساعدني وينام معي، وهو الآن يذاكر استعدادا للامتحان غدا....
فنظرت إلى الطفل المنهمك في الكتاب وبدت على وجهي علامات التعجب والاستغراب!!
ولم يكن تعجبي لما يفعله الطفل من النحت في الصخر وتحدي الصعاب فقد كنت كذلك، ولكن تعجبي بمقارنته بأطفال جيله.
واستكمل الجد كلامه قائلا: ويحصل على المركز الأول كل عام ويكرم كل عام ويأخذ شهادة تقدير.

مما زاد من اعجابي به، الإصرار على التعليم والتفوق متغلبا على كل الظروف الصعبه المحيطة به، ابتداءً باليتم وانتهاءً بالفقر، وعلمت أن نوابغ الفطرة ما زالوا موجودين برغم الزحف الطاغي لصناعة الأوائل.
د. ابراهيم النهر

هناك 3 تعليقات: