فضفضة طريق: على يوميات ابراهيم النهر
فضفضة
وجدته في الصباح الباكر لأحد أيام الشتاء مرتديا بالطو الخفير الذي قد سقطت أزِرَّته، فقد تصدق عليه به أحد الجيران، أو قد يكون اشتراه من الباعة الجائلين الذين يبيعون المستعمل، وكان يحمل في يده صرة غالبا أن بها غداءه، رغيف خبز وقطعة جبن وبصلة، ومنتعلا حذاءه البلاستيك وقد تحمل بطين الطريق الذي خلفه المطر، وقد شمر ذيل ثوبه بيده الأخرى ويجتهد قدر المستطاع تفادي بقع المياه التي امتلأ بها الطريق، وأظنه لم يسمع صوت السيارة فقد كان يغطي رأسه وأذنيه ب كوفية قد ورثها عن أبيه، ولكني لم أستخدم آلة التنبيه مخافة أن يُفزع وينزلق في الطين، وعندما اقتربت منه أكثر سمع الصوت وأخلى الطريق منحرفا إلى اليمين.
بمحازاته أوقفت السيارة، فنظر إليّ من خلف الزجاج الذي ما زالت بعض القطرات من أثر المطر عالقة به، وعلت ملامح وجهه التي شابتها التجاعيد إبتسامة، فملت إلى الجانب الآخر بجذعي وجذبت الأوكرا، ربما لا يعرف كيف يفتح الباب، فوجدته قد انهال عليّ بعبارات الشكر والثناء والمديح، ويعتذر عن عدم الركوب بحجة أن ما يحمله حذاؤه من طين ستتسخ به السيارة، وبعد إلحاح مني ركب بعد أن مسح حذاءه في عشبة جافة على حافة الطريق.
وبدأ حوارا معي أدمى قلبي وأنا أسمعه، وأتأمل تجاعيد وجهه التي غزت بلا هوادة ملامحه الجميلة، وعينيه الغائرتين ولكنها ما زالت خضراء وتحمل شيئا من براءة الطفولة، وكاهله المحمل بجبال من الأعباء قد أحنى ظهره، وصدره الضائق بالشكوى التى حبسها بداخله لعدم وجود من يفضفض معه.
أخذ يسرد عن الخفير والمُخبِر والمُحضَر والمُحصِل الذين لم يرحموا باب داره يوما من الطرق، ثم انهال في البكاء وكأنه بركان قد انفجر، وهو ينهنه ويتمتم بعبارات توقظ الضمائر النائمة، قائلا؛ لقد تركنا لهم الحكم والسلطة والمناصب والسياسية بغية أن يتركوا لنا أحذيتنا البالية وأثوابنا المرقعة، أن يتركوا لنا رغيف الخبز وعود الفجل وقطعة الجبن والبصلة، ولكن لا فائدة، لا مكان لأجير مثلي في هذا البلد، ونزل وهو يكررها ويبتعد شيئا فشيئا حتى اختفى خلف المطر.
د. إبراهيم النهر
فضفضة
وجدته في الصباح الباكر لأحد أيام الشتاء مرتديا بالطو الخفير الذي قد سقطت أزِرَّته، فقد تصدق عليه به أحد الجيران، أو قد يكون اشتراه من الباعة الجائلين الذين يبيعون المستعمل، وكان يحمل في يده صرة غالبا أن بها غداءه، رغيف خبز وقطعة جبن وبصلة، ومنتعلا حذاءه البلاستيك وقد تحمل بطين الطريق الذي خلفه المطر، وقد شمر ذيل ثوبه بيده الأخرى ويجتهد قدر المستطاع تفادي بقع المياه التي امتلأ بها الطريق، وأظنه لم يسمع صوت السيارة فقد كان يغطي رأسه وأذنيه ب كوفية قد ورثها عن أبيه، ولكني لم أستخدم آلة التنبيه مخافة أن يُفزع وينزلق في الطين، وعندما اقتربت منه أكثر سمع الصوت وأخلى الطريق منحرفا إلى اليمين.
بمحازاته أوقفت السيارة، فنظر إليّ من خلف الزجاج الذي ما زالت بعض القطرات من أثر المطر عالقة به، وعلت ملامح وجهه التي شابتها التجاعيد إبتسامة، فملت إلى الجانب الآخر بجذعي وجذبت الأوكرا، ربما لا يعرف كيف يفتح الباب، فوجدته قد انهال عليّ بعبارات الشكر والثناء والمديح، ويعتذر عن عدم الركوب بحجة أن ما يحمله حذاؤه من طين ستتسخ به السيارة، وبعد إلحاح مني ركب بعد أن مسح حذاءه في عشبة جافة على حافة الطريق.
وبدأ حوارا معي أدمى قلبي وأنا أسمعه، وأتأمل تجاعيد وجهه التي غزت بلا هوادة ملامحه الجميلة، وعينيه الغائرتين ولكنها ما زالت خضراء وتحمل شيئا من براءة الطفولة، وكاهله المحمل بجبال من الأعباء قد أحنى ظهره، وصدره الضائق بالشكوى التى حبسها بداخله لعدم وجود من يفضفض معه.
أخذ يسرد عن الخفير والمُخبِر والمُحضَر والمُحصِل الذين لم يرحموا باب داره يوما من الطرق، ثم انهال في البكاء وكأنه بركان قد انفجر، وهو ينهنه ويتمتم بعبارات توقظ الضمائر النائمة، قائلا؛ لقد تركنا لهم الحكم والسلطة والمناصب والسياسية بغية أن يتركوا لنا أحذيتنا البالية وأثوابنا المرقعة، أن يتركوا لنا رغيف الخبز وعود الفجل وقطعة الجبن والبصلة، ولكن لا فائدة، لا مكان لأجير مثلي في هذا البلد، ونزل وهو يكررها ويبتعد شيئا فشيئا حتى اختفى خلف المطر.
د. إبراهيم النهر
كما أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد
ردحذفالله عليك....
ردحذفالم وادب
شكرا جزيلا لكم خالص تحياتي
حذفكما أدعوكم لتسجيل متابعة ليصلكم كل جديد